تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
اللهم الا أن تكون ذاته ممنوة في الوجود بمقارنة أمور مانعة من ذلك من مادة أو شيء آخر ان كان فان كانت حقيقته مسلمة لم يمتنع عليها مقارنة الصور العقلية لها امكان ذلك لها بالامكان وفي ضمن ذلك امكان عقله لذاته ) التفسير المقصود من هذا الفصل بيان ان كل مجرد فإنه يمكن أن يكون عاقلا وبرهانه أن من لا يمتنع عليه أن يعقل غيره لم يمتنع عليه أن يعقل ذاته لكنه لا يمتنع عليه أن يعقل غيره فوجب أن لا يمتنع عليه أن يعقل ذاته بيان الشرطية أن كل من يعقل شيأ فإنه يمكنه أن يعقل من نفسه أنه عقل ذلك الشيء وكل من أمكنه ذلك أمكنه أن يعقل ذاته ينتج فكل من عقل شيأ فإنه يمكنه أن يعقل ذاته أما الصغرى فبديهية وأما الكبرى فلان علم الشيء بكونه عالما بشيء إذا لم يكن ممتنعا لم يلزم من فرض وجوده محال فلنفرض حاصلا والمعنى بقولنا انه علم كونه عالما بشيء انه علم أن ذاته موصوفة بأنها عالمة بشيء وكل من علم اتصاف شيء لشيء فلا بد وأن يكون عالما بالموصوف والصفة معا لان التصديق مسبوق بالتصور فاذن كل من علم كونه عالما بشيء يجب أن يكون عالما بذاته فاذن كل من لا يمتنع أن يعلم كونه عالما بشيء وجب ان لا يمتنع كونه عالما بذاته فقد ظهر صدق الشرطية وأما بيان صدق المقدم هو ان كل مجرد فإنه لا يمتنع عليه ان يعقل غيره فلان كل ماهية مجردة يصح أن تكون معقولة وكل ما صح أن يكون معقولة وحده صح أن يكون معقولا مع غيره وكل ما صح أن يعقل مع غيره صح أن يقارن ماهيته ماهية غيره بناء على أن تعقل الأشياء يستدعى حصول ماهياتها في العاقل فإذا كل ماهية مجردة فإنه لا يمتنع ان يقارنها ماهية أخرى فتكون تلك الماهية بحيث يصح أن يقارنها ماهية أخرى اما أن يتوقف على حصولها في الجوهر العاقل أولا يتوقف والأول محال لان حصولها في ذلك الجوهر عبارة عن مقارنتها فلو توقفت صحة مقارنتها لغيرها على حلولها في ذلك الجوهر مع أن ذلك الحلول هو نفس المقارنة لكانت صحة المقارنة موقوفة على وجود المقارنة وهو محال لان وجود الشيء متأخر عن صحة وجوده لا ان صحة وجوده متأخر عن وجوده فثبت أن صحة مقارنة غير تلك الماهية المجردة تلك الماهية لمجردة لا يتوقف على انطباع تلك الماهية المجرد في ذلك الجوهر العاقل فاذن تلك الماهية المجردة سواء وجدت في العقل أو في الخارج فإنه يصح أن يقارنها غيرها ولا معنى للعقل الا مقارنة ماهية مجردة لماهية مجردة فإذا ثبت ان كل ماهية مجردة موجودة في الخارج فإنه يمكن أن يقارنها سائر الماهيات المجردة ثبت أن كل مجرد فإنه يمكن أن يعقل غيره هذا تمام هذه الحجة ولقائل أن يقول أما قولكم أن كل من يعقل من نفسه أنه يعقل غيره فإنه يجب أن يعقل نفسه فهذا وان كان صحيحا مقطوعا به لكنه لا يستمر أصولكم لأنا نحمل الانسان الكلى على زيد وعمرو فإنه يمكننا أن نحكم بان زيدا انسان وليس بفرس مع أنه ليس هاهنا شيء واحد يكون مدركا للانسان الكلى والانسان الجزئي الشخصي لان المدرك للكليات هو النفس والمدرك للجزئيات هو القوى الجسمانية فههنا لم يكن الحاكم على الشيئين عالما بهما وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يحكم الانسان على نفسه بكونه عالما بالغير وان لم يكن عالما بنفسه ثم لئن تجاوزنا عن هذا المقام فلم قلتم ان كل مجرد يمكنه ان يعقل غيره اما قوله ان كل ماهية مجردة فإنها يصح أن تكون معقولة فنقول ليست هذه المقدمة من المقدمات الأولية فلا بدّ من تصحيحها بالبرهان وهم لم يفعلوا ذلك وكيف لا تقول ذلك وحقيقة الباري تعالى غير معقولة للبشر وكذلك حقائق المفارقات وحقائق القوى البسيطة الفعالة والمنفعلة غير معقولة لنا بل المعقول لنا من هذه الأمور لوازمها السلبية أو الإضافية وإذا كان اعتمادنا في صحة أن يقارن الماهية المجردة ماهية أخرى على انا نعقلها مع ماهية أخرى فمتى ثبت انا لم نعقل حقائق المفارقات لم يمكنا ان نجزم بأنه يصح أن يقارنها غيرها فان قيل إنه يمكننا أن نقيم الدلالة على انا نعقل حقيقة الاله تعالى وحينئذ يستمر هذا البرهان فيه بيانه أن نقول إن قول الموجود عليه سبحانه وتعالى وعلى الممكنات ليس بالاشتراك اللفظي بل بالاشتراك المعنوي على معنى أن حقيقة الوجود حقيقة واحدة في الموضعين ولا شك أن حقيقة الوجود متصورة تصورا أوليا فان كل أحد يعلم بالضرورة كونه موجودا والوجود جزء من وجوده فالوجود الذي هو جزء من الامر المعلوم بالضرورة يجب أن يكون معلوما بالضرورة وإذا كان وجود الباري تعالى مساو بالوجود الممكنات معلوما وماهية وجود الممكنات معلومة