بالمفروع منه كالمشاهدة متى شاءت من غير افتقار إلى اكتساب وهو المصباح وهذا الكمال يسمى عقلا مستفادا وهذه الملكة تسمى عقلا بالفعل والذي يخرج من الملكة إلى الفعل التام ومن الهيولاني أيضا إلى الملكة هو العقل الفعال وهو النار ) انه لما فرغ عن تعديد القوى المدركة الحيوانية شرع بعده في تعديد قوى لنفس الانسانية فإنما قال على سبيل التصنيف لان الاختلاف بين القوى الحيوانية المذكورة اختلاف النوع لان ماهية كل واحدة منها مخالفة لماهية الأخرى واما الاختلاف بين قوى النفس الناطقة فليس اختلافا نوعيا لان الاختلاف بين المراتب المذكورة هاهنا ليس الا بحسب الأشد والانقض وذلك لا يقتضى الاختلاف بالماهية في الظاهر وإذا عرفت ذلك فنقول النفس الناطقة لها قوتان إحداهما عملية والأخرى نظرية أما العملية فهي القوة التي لها لأجل كونها مدبرة للبدن وهو المسماة بالعقل العملي وهذه القوة التي يستنبط الرأي الجزئي الذي يجب أن يفعله الانسان ليتوصل بذلك الفعل إلى اعراض اختيارية وذلك الاستنباط انما يكون من مقدمات أولية وذائعة وتجربية وباستعانة من هذه القوى بالعقل النظري في الرأي الكلى إلى أن ينتقل به إلى الجزئي وأقول إن هذا الكلام تصريح بان النفس مدركة للجزئيات ومتى اعترف بذلك تعذر عليه اثبات القوى الباطنة التي ذكرها قبل هذا الفصل وأما القوة النظرية فهي القوة التي يحتاج إليها ليصير جوهرها عقلا بالفعل وتلك القوة لها مراتب أربعة الأولى استعدادها لقبول الصور العقلية حال ما لا تكون الصور حاصلة مثل نفوس الأطفال وهذه المرتبة مسماة بالعقل الهيولاني وبالمشكاة المرتبة الثانية أن تحصل لها العلوم الأولية بالفعل التي لأجلها تتمكن النفس من اكتساب العلوم النظرية وهذه المرتبة على أقسام أربعة لان استعداد الانتقال من تلك العلوم الأولية إلى العلوم النظرية اما أن يكون بحيث لا يحصل الا عند الجد والطلب وذلك هو الفكر لأنه لا معنى للفكر الا ما يكون الاجماع والعزم على الانتقال من الحاضر إلى المستحضر وهذا القسم هو الشجرة والزيتونة وأما القسم الثاني وهو أن تحصل تلك الانتقالات من غير شوق وطلب فهذا هو الحدس ثم إن هذه الحالة قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك افترض له طرفان وواسطة فالطرف الناقص من هذا الحدس هو الزيت وأما الوسط فهو العقل بالملكة وهي الزجاجة وأما الطرف الا على فهو القوة الحدسية الشريفة البالغة وهي القوة القدسية وهي التي يكاد زيتها يضيء فهذه أقسام المرتبة الثانية ثم اعلم أن النفس بعد وصولها إلى هذه المرتبة الثانية يحصل لها قوة وكمال أما الكمال وهو المرتبة الثالثة من مراتب العقل النظري وهو أن يحصل له المعقول بالفعل مشاهدا متمثلا في الذهن وهو نور على نور وهذا يسمى عقلا مستفادا وأما القوة وهي المرتبة الرابعة فان يكون للنفس أن تستحضر المعقول المكتسب المفروغ كالمشاهد متى شاءت من غير فتقار إلى اكتساب وهو المصباح وهذه القوة تسمى عقلا بالفعل وانما قدم العقل المستفاد على العقل بالفعل لان العقل بالفعل لما كان عبارة عن كون الانسان حيث يقدر على استحضار العلوم النظرية متى شاء من غير اكتساب كان ذلك من باب الملكة والملكة لا تحصل الا بعد الفعل فان ملكة الكتابة لا تحصل الا بعد فعل الكتابة وأما العقل المستفاد فهو عبارة عن الفعل ولما كان الفعل مقدما على الملكة لا جرم قدم العقل المستفاد على العقل بالفعل وجعل العقل بالفعل آخر المراتب النظرية وأما قوله والذي يخرج من الملكة إلى الفعل ومن الهيولاني أيضا إلى الملكة هو العقل الفعال وهو النار فاعلم أنه كلام خارج عن مقصود الفصل لان المقصود من هذا الفصل ذكر قوى النفس الانسانية والعقل الفعال ليس من القوى الانسانية لكنه ذكره لغرضين أحدهما أن العقل الفعال هو العلة لوجود النفس الانسانية ولخروجها عن الهيولانية إلى الملكة ومن الملكة إلى العقل التام فلأجل هذا التعلق أورده هاهنا الثاني لما جعل هذه المراتب من النفس تفسير لقوله تبارك وتعالى مثل نوره كمشكاة فيها مصباح احتاج إلى ذكر العقل الفعال ليتبين أنه هو المراد بالنار في قوله تعالى ولو لم تمسسه نار فهذا تفسير هذا الفصل وقد بقي فيه بحث واحد وهو انه ان عنى بالقوة العملية استعداد النفس لتدبير البدن وبالقوة النظرية استعدادها لقبول العلوم وبالعل الهيولاني هو الاستعداد عند عدم المستعد له
وبالعقل بالملكة حصول العلوم الأولية فالكلام صحيح وتكون هذه الأسامي واقعة عليها بحسب مالها من هذه لآفات والأحوال وان كان المراد به ان جوهر النفس موصوفة بقوة لأجلها صح منها تدبير البدن وبقوة أخرى لأجلها استعد لقبول العلوم فذلك ممنوع ولا بد
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 154
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٥٤