لكن الأخص بها هو التجويف الأوسط واعلم أن هذه الكلمات غنية عن الشرح الا قوله في الحس المشترك ان آلته الروح المصبوب في مبادى عصب الحس لا سيما في مقدم الدماغ فان فيه بحثا وذلك لان الحامل لقوة الشم هو نفس الدماغ والحامل للروح الباصرة هو الزوج الثالث ومنشأ الروح الثالث هو الجد المشترك بين مقدم الدماغ ومؤخره ومنفذ هذه السبعة متقدم وفيه من الفك الاعلى إلى اللسان والحامل للزوج السابع فهو قسم من الزوج الخامس وأما حس اللمس فهو يحصل في بعض الأعضاء العليا بالأعصاب الدماغية وفي سائر الأعضاء بالأعصاب الدماغية وهذه جملة فصلها الشيخ في القانون والشفاء وذكرها سائر الأطباء وإذا كان كذلك فنقول المشهور ان الروح الحامل للحس المشترك موضعه مقدم الدماغ وفيه بحث لأنه لو كان كذلك لكان تأدى المبصرات اليه سهلا لما بين ذلك الروحين من المجاورة فاما تأدى المطعوم والأصوات والكيفيات الملموسة من الحواس الثلاثة اليه يكون مشكلا لان منشأ العصب الحامل للروح الذائق كما بينا الحد المشترك بين مقدم الدماغ ومؤخره وانه نافذ في ثقبة الحنك إلى اللسان فتأدية هذا العصب هذه المذوقات إلى القوة المسماة بالحس المشترك اما أن تكون الكيفية المذوقة يسير من اللسان في منشأ العصبة الحاملة له ثم ينفصل بين تلك العصبة وينعطف إلى مقدم الدماغ ويتصل بالروح الحامل للحس المشترك أو يكون بالعكس من ذلك وهو أن ينتقل الروح الحامل للحس المشترك إلى منشأ العصبة الثالثة ثم يدخل فيه ويسرى إلى اللسان ويأخذ الطعوم التي أدركتها الذائقة أو لا يتصل ولا واحد من الروحين بالآخر ومع ذلك فان القوة الذائقة تؤدى الطعم إلى الحس المشترك أولا لان الروح لذائقة لو بقي حافظا للطعم إلى أن يتصل بالحس المشترك فقد بقي فيه ادراكه ذلك الطعم إلى وقت اتصاله بالحس المشترك فيجب أن يجد الانسان ذوق المطعوم من ذلك المنفذ وفي وسط دماغه وفي مقدم دماغه مثل ما يجده في اللسان وهكذا القول لو لم يذهب الروح الذائق اليه بل ذهب الروح الحامل للحس المشترك إلى ذلك الموضع واحد الطعم فان الادراك الذوقى يجب أن يكون حاصلا في تلك المواضع فعلى التقديرين يكون الذوق حاصلا في أكثر الدماغ ويلزم أن لا يتغير حال الأرواح عند خروجها عن أوعيتها وانفصالها عن أعضائها الحاملة لها والأول مكابرة والثاني خروج عن قولهم واما أن يتصل واحد من الروحين بالآخر استحال تأدى الطعوم إلى الحس المشترك لان عندهم القوى الجسمانية انما تدرك بواسطة آلاتها بالمدركات وهذا الاشكال في تأدية القوة السامعة للأصوات إلى الحس المشترك وتأدية القوة اللامسة للكيفيات الملموسة إلى الحس المشترك اظهر وأوقع فهذا إذا جعلوا الروح الحاملة لقوة الحس المشترك في موضع واحد فاما إذا جعلوه في مواضع مختلفة وهي مبادى عصب الحس فالمحال أيضا يعود فان كل عصبة معينة لحس واحد فيستحيل ان يحصل فيه غير ذلك الحس بالبيان الذي سبق فثبت أنه يمتنع أن تكون الروح الحاملة للحس المشترك موجودة في مقدم الدماغ وأن تكون موجودة في مبادى أعصاب الحواس أيضا وهذا اقناعي قوى في فساد القول بالحس المشترك وأما قوله ويخدمها قوة رابعة لها أن يركب ويفصل ما يليها من الصور المأخوذة عن الحس والمعاني المدركة بالوهم ويركب أيضا الصور بالمعاني ويفصلها عنها وتسمى عند استعمال العقل مفكرة وعند استعمال الوهم متخيلة وسلطانها في الجزء الأول من التجويف الأوسط وكأنها قوة ما للعقل ويتوسط الوهم العقل فاعلم أنه لما تكلم في الحس المشترك والخيال وتكلم بعدهما في الوهم وكانت القوة المتخيلة خادمة للوهم لا جرم عقب الكلام في القوة الوهمية بالكلام في القوة المتخيلة وهي قوة من شأنها أن تركب المعاني الوهمية والصور الخيالية تارة وتركب الصور بالمعاني أخرى ثم إن الآمر لهذه القوة بهذا التركيب والتفصيل ان كان هو العقل سميت هذه القوة مفكرة وان كان الآمر هو الوهم سميت هذه القوة متخيلة وموضع هذه القوة النصف الأول من البطن الأوسط وكأنها قوة ما للوهم ويتوسطها للعقل ثم هاهنا بحثان الأول بيان ان هذه القوة مغايرة لسائر القوى والحجة فيه ان هذه القوة متصرفة وسائر القوى مدركة والقوة الواحدة لا يصدر عنها أبدان وقد مضى الجواب عن هذا ومما يزيد فساد ذلك وضوحا وجوه الأول ان هذه القوة المتصرفة اما
أن يكون لها شعور بما يتصرف فيه أو لا يكون فإن كان كان ذلك اعترافا بان القوة الواحدة تكون مدركة ومتصرفة فبطل قولهم ان القوة الواحدة لا تكون مبدأ للادراك والتصرف وان كان الثاني كان ذلك قولا بان المتصرف في أشياء بالتركيب والتحليل لا يكون متصورا لحقيقة شيء منها وذلك يبطل بما اعترفوا به بان القاضي على الشيئين لا بد وان يحضره المقضى عليهما الثاني ان الوهم قوة مدركة وكونها مستخدمة لهذه القوى تصرف منها في هذه القوى فيكون الشيء الواحد مدركا ومتصرفا وكذلك النفس الناطقة مدركة للمعقولات ومتصرفة بالبدن الثالث انهم قالوا القوة النفسانية منها مدركة ومنها محركة وجعل المدركة على قسمين مدركة من ظاهر وهي الحواس الظاهرة ومدركة من
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 151
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٥١