باطن وجعل المتخيلة فيها وإذا كان كذلك وجب عليهم الاعتراف بكون هذه القوة مدركة وذلك يبطل قولهم بان القوة الواحدة لا تكون مدركة ومتصرفة البحث الثاني انهم جعلوا المتخيلة خادمة للوهمية ولا شك ان اطلاق لفظ الخدمة هاهنا على سبيل المجاز فلا بد من تلخيص معنى هذه الخدمة ثم إقامة الدليل على تصحيحها وذلك ما لم يفعلوا وأما قوله والباقية من القوى هي الذاكرة وسلطانها في حيز الروح الذي في التجويف الأخير وهو آلتها فاعلم أن معنى هذا الكلام ظاهر ولكن فيه بحث وهو ان حفظ هذه المعاني إلى مدركات الوهم مغايرة لاسترجاعها بعد زوالها فان وجب أن يتشكل فعل إلى قوة على حدة وجب أن تكون القوة الحافظة غير المسترجعة وهذا شيء ذكره في القانون وعلى هذا يكون قوى الباطنة شيئا وذكر في آخر الفصل الأول من المقالة الرابعة من الفن السادس من طبيعيات الشفاء وتشبه أن تكون القوة الوهمية هي بعينها المفكرة والمتخيلة والمتذكرة وهي بعينها الحاكمة فتكون بذاتها حاكمة وبحركاتها وبافعالها متخيلة ومتذكرة فتكون متخيلة بما يعمل في الصور والمعاني ومتذكرة بما ينتهى إليها عمله وأما الحافظة فهي قوة خزانتها فهذه حكاية ألفاظه وذلك يدل على اضطرابه في أمر هذه القوى وأما قوله وانما هدى الناس إلى القضية بان هذه هي الآلات لان الفساد إذا اختص بتجويف إلى آخره اعلم أنه لما حكم باختصاص كل واحد من هذه القوى الخمسة بموضع معين من الدماغ حاول اثبات ذلك من وجهين الأول ان القوة متى اختلفت أحوالها عند اختلال موضع معين من الدماغ فان ذلك يدل على اختصاص تلك القوة بذلك الموضع واعلم أن هذه الحجة ضعيفة إذ من الجائز أن لا تكون هذه القوى جسمانية أو ان كانت جسمانية لكنها لا تكون حالة في ذلك الموضع بل في موضع آخر وان اختلت أفعالها عند اختلال ذلك الموضع لان ذلك الموضع كان آلة لتلك القوة فاختلاله يكون اختلالا لآلة تلك القوة وذلك يقتضى اختلال أفعالها كما أن الادراكات العقلية تختل عند اختلال الدماغ وان لم تكن القوة العاقلة حالة فيه الثاني أن حكمة الصانع اقتضت أن يكون الحس المشترك والخيال موجودين في مقدم الدماغ للمناسبة التي بينها وبين الحس الظاهر مع أن الحس الظاهر في مقدم الوجه وأن يكون الوهم والحافظة في وسط الدماغ ومؤخرة لبعدهما عن مناسبة الحس الظاهر وأن تكون المتخيلة التي هي المتولية للتركيب والتفصيل متوسطة بين النوعين حتى إذا شاءت أقبلت على الصورة الخيالية بالتخيل والتركيب وان شاءت أقبلت على المعاني التي في الحافظة والتركيب والتخيل وإذا شاءت أقبلت على تركيب الصور المعاني واعلم أن هذا الكلام خطابي ثم إنه غير مستمر أيضا لأنه ليس جميع الحواس في مقدم الرأس فليس بان يجعل الحس المشترك والخيال في مقدم الدماغ لكون الابصار والشم في مقدم الرأس بأولى من أن يجعل في مؤخر الرأس لان أكثر اللمس من هناك مع أن الحيوان أكثر حاجة اليه منه إلى البصر وكذلك السمع هناك والذوق في وسط الدماغ وبالجملة فأمثال هذه الوجوه غير لائقة بالكتب البرهانية فهذا جملة الكلام فيما أورده الشيخ ولنختم هذا الفصل بحجة قوية على أن النفس هي المدركة بجميع الادراكات بجميع المدركات فنقول ان بديهة العقل حاكمة بان القاضي على الشيئين لا بد وان يحضره المفضى عليهما وأنتم قد اعترفتم بذلك وعند هذا القول بان الانسان يمكنه أن يحكم بان هذا الملون هو هذا المطعوم وان هذا المطعوم هو هذا الملموس والقاضي على الشيئين لا بد وأن يحضره المقضى عليهما فاذن لا بد من شيء واحد يكون مدركا لجميع مدركات الحواس الظاهرة ثم نقول إنا تخيلنا صورة انسان بعدان رأيناه فإذا رأيناه نعلم ذلك مرة أخرى حكمنا بان ذلك الخيال كان هو خيال هذا المبصر والقاضي على الشيئين لا بد وأن يحضره المقضى عليهما فإذا لا بد من شيء واحد يكون مبصرا للمرئيين فيكون متخيلا له بعد غيبوبته ليتأتى منه الحكم بان هذا المتخيل هو هذا المحسوس ثم نقول إنه يمكننا ان نحكم بوجود عداوة في شخص معين وبوجود صداقة في شخص آخر معين والحاكم بثبوت العداوة الجزئية في الشخص المعين لا بد وأن يكون مدركا لتلك العداوة ولذلك الشخص فان الحكم بان فيه عداوة يستدعى العلم بذلك الشخص وبتلك العداوة ثم
نقول إنه يمكننا تركيب هذه الصور والمعاني بعضها مع بعض وتحليل بعضها عن بعض وضم الشيء إلى الشيء موقوف على الشعور بكل واحد من الشيئين فاذن هاهنا شيء واحد وهو المدرك لكل المحسوسات وهو المتخيل لها بعد غيبتها وهو المدرك لما فيها من العداوة الجزئية والصداقة الجزئية وهو المتصرف في هذه الصور والمعاني بالتركيب والتحليل فثبت ان هذه الادراكات التي فرقها على قوى كثيرة هي بأسرها لقوة واحدة ثم نقول إنه يمكننا أن نحكم على زيد بأنه انسان والحكم على شيء بشيء يستدعى تصور كل واحد منهما فإذا هاهنا شيء واحد هو المدرك للانسان الكلى والانسان الجزئي وثبت أيضا ان المدرك للانسان الجزئي هو المدرك لكل هذه المدركات بكل هذه الادراكات فان قيل هذه الحجة انما تدل على أن النفس مدركة للجزئيات ونحن لا ننكر ذلك ولكن نقول إن الصورة الخيالية والمعاني الوهمية لا بد وأن تكون موجودة إذ هي غير موجودة في الخارج فهي موجودة في الذهن لكن يستحيل أن تكون مرتسمة في النفس لان الصور الجسمانية يستحيل انطباعها في الجوهر فإذا لا بد من
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 152
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٥٢