وله فروع وقوى منبثة في أعضائك فإذا أحسست بشيء من أعضائك شيأ أو تخيلت أو اشتهيت أو غضبت ألقت العلاقة التي بينه وبين هذه الفروع هيئة هو فيه حتى يفعل بالتكرار اذعانا ما بل عادة وخلقا يمكنان من هذا الجوهر المدبر تمكن الملكات وكما يقع بالعكس فإنه كثيرا ما يبتدئ فيعرض فيه هيئة ما عقلية فتنقل العلاقة من تلك الهيئة أثرا إلى الفروع ثم إلى الأعضاء ( تنبيه انظر انك إذا استشعرت جانب اللّه وفكرت في جبروته كيف يقشعر جلدك وهذه الانفعالات والملكات قد تكون أقوى وقد تكون أضعف ولولا هذه الهيئات لما كان نفس بعض الناس بحسب العادة أسرع إلى الهتك أو إلى الاستشاطة غضبا من نفس بعض ) التفسير لما بين ان الشيء الذي يشير كل واحد منا يقوله أنا وأنت ليس بجسم ولا مزاج جسم ولا ما يتبع المزاج وانه هو العلة لامتزاج العناصر والحافظ لذلك الامتزاج ذكر ان ذلك الشيء واحد وهذا ظاهر لا يحتاج فيه إلى الحجة لان ذلك الشيء هو هوية الانسان وكل واحد فإنه يقطع بأنه شيء واحد لا شيئان فانى أعلم بالضرورة انى لست شيئين بل شيء واحد فلذلك لم يشتغل بإقامة الحجة عليه وأما قوله وله فروع وقوى منبثة فذلك لأجل ان النفس لما كانت واحدة والشيء الواحد يستحيل أن يكون مبدأ للافاعيل المختلفة عند الشيخ ثم إلى الأفاعيل الحيوانية قد يقع فيها ما تكون متضادة فان الغضب يزاول ضد ما يزاوله الشهوة فاذن لا بد وأن يكون للنفس قوى وأن يكون للنفس مبدأ لها إذ لو كانت كل واحدة من تلك القوى مستقلة بنفسها لم يكن فعل بعضها مغاير الفعل الآخر فاما إذا كانت النفس مبدأ لتلك القوى ومستعملا لها كان اشتغال كل واحدة منها بفعلها مضاد أو ممانعا لاشتغال الأخرى بفعلها وبيان ذلك أن النفس لما كانت مبدأ لتلك القوى كان بين النفس وبين تلك القوى علاقة السببية والمسببية وتلك العلاقة سبب لتأدى انفعالات تلك القوى إلى النفس وتأدى انفعالات النفس إلى تلك القوى أما الأول فكما إذا تعلقت القوة الحساسة أو الشهوانية أو الغضبية بمتعلقها وتأثرت عن ذلك المتعلق تأدت الآثار من تلك القوى إلى النفس حتى يتمكن ذلك الأثر في النفس ويصير عادة وخلقا وملكة مستقرة وأما الثاني فكما إذا تفكرنا في عظمة اللّه تبارك وتعالى حتى تأثرت النفس عنها فان ذلك الأثر يتأدى إلى القوة المنبثة في الأعضاء ويحصل بسبب ذلك في الأعضاء آثار مخصوصة حتى يقشعر جلد الانسان قال صاحب الصحاح قف شعري أي أقام من الفزع واعلم أن الكلام في هذه القوى وفي كيفية نزول الأثر من النفس إليها وصعوده منها إلى النفس سيأتي بعد
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 129
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢٩