شعور وان لم يكن شبيها كان ضدا فعند اجتماعهما لا بد وان تغير كيفية مزاج اللامس أعنى انه تزول الكيفية الأولى وتحصل كيفية أخرى وإذا كان كذلك فالشاعر بالملموس ليس هو الكيفية الزائلة فان المعدوم لا يدرك شيأ ولا الكيفية الحادثة لأنها بالنسبة إلى الملموس كالشبيه والشيء لا يحس بشبهه ولأنها حال حدوثها لا تنفعل مرة أخرى وإذا لم تنفعل وجب أن لا يحصل الاحساس فهذه هو الاستدلال بالقوة المدركة على أن النفس ليست بمزاج واما المأخذ الثاني وهو الاستدلال بحال المزاج على أنه ليس هو النفس والدليل عليه ان المزاج كيفية ثابتة للعناصر المختلطة ولكل عنصر حيز معين فإذا كل مركب فان أجزاءه مشتاقة بالطبع إلى الافتراق فلا بدّ لاجتماعهما من جامع وذلك الجامع ليس هو الكيفية بعد اجتماعها لان المزاج يحصل بعد اجتماع تلك الأخرى والجامع لتلك الأجزاء سابق على اجتماعها والشيء لواحد لا يكون قبل وبعد فالنفس التي هي الجامعة لتلك الأجزاء غير المزاج الذي يحصل بعد اجتماعها فان قيل كما أن المزاج لا يحدث الا بعد اجتماع العناصر فالنفس لا تحدث ولا تفيض عن واهب الصور الا بعد حدوث المزاج فإذا لم يجز أن يكون المزاج علة لذلك الاجتماع فلأن لا يجوز أن يكون الجامع هو النفس مع أن النفس متأخرة في الوجود عن وجود المزاج كان أولى فنقول الجامع لما في النطفة من الاجزاء المختلفة الطبائع نفس الوالدين ثم إنه يبقى ذلك المزاج في تدبير نفس الام إلى أن يستعد لقبول نفس من واهب الصور ثم إنها تصير بعد ذلك حافظة لذلك الاجتماع الذي كان موجودا فنفس كل انسان حافظة لاجماع العناصر التي جمعها نفس الأبوين ثم إنها تكون جامعة لسائر الاجزاء بعد ذلك بطريق ايراد الغذاء ولقائل أن يقول إذا جوزتم ذلك فلم لا يجوز أن يكون الجامع لاجزاء بدن الولد مزاج الأبوين ثم إذا اجتمعت تلك الأجزاء وحصل المزاج فحينئذ يكون ذلك المزاج حافظا لذلك الاجتماع وموردا عليه سائر الأجزاء بطريق الغذاء فثبت بهذه الوجوه ان النفس ليست هي الجسم ولا مزاج الجسم ولا ما يتبع مزاج الجسم من الاعراض بل هاهنا شيء حافظ جامع لاجزاء العناصر متقدم على المزاج ثم إنها قد تكون حالة في الأجسام كما في الحيوانات وقد لا تكون كما في الانسان وذلك نظر آخر ولنرجع إلى شرح المتن اما قوله هو ذا يتحرك الحيوان بشيء غير جسميته فاعلم أن المراد منه الدلالة على أن المحرك للانسان ليس هو جسمه ولا مزاج جسمه وأما قوله الذي يمانعه كثيرا في حال حركته في جهة حركته فهو إشارة إلى الوجه الأول وهو حال الاعياء وأما قوله بل في نفس حركته فهو إشارة إلى الحجة الثانية وأما قوله وكذلك يدرك بغير جسميته وبغير مزاج جسميته الذي يمنع عن ادراك الشبيه ويستحيل عند لقاء الضد فكيف يلمس به فهو إشارة إلى ما بينا من أن الجسم إذا القى الشبيه لم ينفعل عنه فلا يدركه وان لقى الضد استحالت كيفيته وتغيرت وما عدم استحال أن يكون آلة في الادراك وأما قوله ولان المزاج واقع فيه بين الاضداد إلى قوله وكيف لا يكون قبل ما بعده فهو الذي قررناه في المأخذ الثاني وأما قوله وهذا الالتئام كلما يلحق الجامع الحافظ وهن أو عدم يتداعى إلى الانفكاك فمعناه متى لحق النفس التي تجمع أولا اجزاء البدن التغذية والتنمية لم يحفظها ثابتا ضعف أو عدم فإنه يزول ذلك الاجتماع وتتفرق تلك الأجزاء واما قوله فاصل القوى المدركة والمحركة والحافظة للمزاج شيء آخر لك ان تسميه النفس وهذا هو الجوهر الذي يتصرف في أجزاء بدنك ثم في بدنك فمعناه ظاهر وانما قال يتصرف في اجزاء بدنك لان المتعلق الأول للنفس عضو واحد وهو القلب ثم بواسطته يؤثر في البدن
( المسألة الثالثة ) في وحدة النفس وكيفية تأثر البدن عنها وفيها فصل واحد
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 127
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢٧