القول في الفصل بين الروح والنفس
وإذا قد شرحنا ماهية الروح والنفس فلنخبر الآن عن الفصل بينهما وذلك ان الروح جسم والنفس غير جسم . وان الروح يحوى في البدن وان النفس لا يحويها البدن . وان الروح إذا فارق البدن بطل والنفس تبطل افعالها من البدن ولا تبطل هي في ذاتها . وان النفس تحرّك البدن وتنيله الحسّ ولروح يفعل ذلك بغير الحس وانّ النفس تنيل البدن والحياة بتوسط الروح والروح يفعل ذلك بغير توسط . وان النفس تحرّك البدن وتنيله الحس والحياة بأنها اوّل علّة ذلك البدن وفاعلة فيه والروح يفعل ذلك وهو علّة ثانية فالروح إذا علّة قريبة لحياة البدن وحسه وحركته وباقي افعاله البعيدة وذلك ان بدن الانسان لمّا كان مركّبا من اجزاء صلبة وهي العظام والغضاريف والأعصاب والعروق وما أشبه ذلك ومن أعضاء رطبة وهي الاخلاط اعني الدم والبلغم والمرّتين ومن الروح اعني الذي في تجويفات القلب والدماغ والشريانات وكان الروح أرقّ هذه الاجزاء والطفها وأصفاها كان أشدّ قبولا لافعال النفس من سائر اجزاء البدن وعلى قدر رقّته ولطفه وصفائه قبل من فعل النفس . ولذلك قالت الفلاسفة ان قرى النفس تابعة لمزاج البدن لان الانسان إذا كان مزاج بدنه في غاية الاستواء كانت افعال النفس في غاية الاستواء . ومن قصر مزاج بدنه اعني الأعضاء التي فيها الروح عن الاعتدال المخصوص بها قصر أيضا الروح عمّا يجب له من الرّقة واللطف وقصرت افعال النفس فيه بتلك النسبة ولذلك صارت قوى النفس في الصبيان ناقصة وفي النساء ضعيفة وكذلك في الأمم التي قد غلبت على امزجتها الحرارة والبرودة كالزنج والصقالبة ومن أشبههم . وكذلك اختلفت افعال النفس فصار في الروح الذي في القلب افعال الحياة والنّفس والنبض فقط إذ ذلك الروح أقرب الأرواح إلى الهواء واقلّها لطفا ورقّة وصفا . ثم الذي في التجويفات التي في مقدّم الدماغ صار فيه الحس والتخيّل لما ناله من زيادة الرقة واللطف على ما في الروح الذي في القلب . ثم الروح الذي في التجويف الذي بعده صار فيه الفكر والرويّة بفضل ما ناله من اللطف والرقّة على الروح الذي في مقدم الدماغ . ثم الروح الذي في مؤخره صار فيه الذكر والحفظ