تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب ( المسلمين والنصارى ) — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
دلالة واضحة أن الحزن شيء يجتلبه الانسان ويضعه وضعا وليس هو من الأشياء الطبيعية : « ان من فقد ملكا أو طلب أمرا فلم يجده فلحقه حزن ثم نظر في حزنه ذلك نظرا حكميّا وعرف أن أسباب حزنه هي أسباب غير ضرورية . وأن كثيرا من الناس ليس لهم ذلك الملك وهم غير محزونين بل فرحون مغبطون « 1 » علم علما لا ريب فيه أن الحزن ليس بضروري ولا طبيعي وانّ من حزن من الناس وجلب لنفسه هذا العارض فهو لا محالة سيسلو يعود إلى حاله الطبيعي فقد شاهدنا قوما فقدوا من الأولاد والاعزّة والأصدقاء ما اشتدّ حزنهم عليه ثم لا يلبثون أن يعودوا إلى حالة المسرّة والضحك والغبطة ويصيرون إلى حال من لم يحزن قطّ . ولذلك نشاهد « 2 » من يفقد المال والضياع وجميع ما يقتنيه الانسان مما يعزّ عليه ويحزنه فإنه لا محالة يتسلّى ويزول حزنه ويعاود أنسه واغتباطه . فالعاقل إذا نظر إلى أحوال الناس في الحزن وأسبابه علم أنه ليس يختصّ من بينهم بمصيبة غريبة ولا يتميز عنهم بمحنة بديعة وان غايته من مصيبته السلوة وان الحزن هو مرض عارض يجري مجرى سائر الرداآت فلم يضع لنفسه عارضا رديئا ولم يكتسب مرضا وضعيّا أعني مجتلبا غير طبيعي » وينبغي أن نتذكر ما قدّمنا ذكره من حال من يحيّا بتحيّة على أن يشمّها ويتمتع بها ثم يردّها ليشمّها غيره ويتمتّع بها سواه فأطمعته نفسه فيها وظنّ أنها موهوبة له هبة أبدية فلمّا أخذت منه حزن وأسف وغضب . فانّ هذه حال من عدم عقله وطمع فيما لا مطمع فيه . وهذه حالة الحسود لأنه يحبّ أن يستبد بالخيرات من غير مشاركة الناس والحسد أقبح الأمراض وأشنع الشرور ولذلك قالت الحكماء : من أحبّ أن ينال الشرّ أعداؤه فهو محبّ للشر ومحبّ الشر شرّير وشرّ من هذا من أحب الشر لمن ليس له بعدوّ . وأسوأ من هذا حالا من أحب أن لا ينال أصدقاءه خير ومن أحب أن يحرم صديقه الخير فقد أحب له الشر ويجب له من هذه الرداآت الحزن على ما يتناوله الناس من الخيرات وأن يحسدهم على ما يصلون اليه منها . وسواء كانت هذه الخيرات من قنياتنا وما ملكناه أو مما لم نقتنه ولم نملكه لان الجميع مشترك للناس وهي ودائع
هامش
( 1 ) كذا في الأصل . والصواب : « مغتبطون » أو « مغبوطون »
( 2 ) والصواب : كذلك
مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب ( المسلمين والنصارى ) — صفحة 116 | لويس شيخون وآخرين