وحينئذ نقول : لمّا استند الحوادث مثل القحط والوباء وأمثالهما إلى العقل الفعّال كان العقل شرّا بالعرض ومشتملا على الشرّ في الجملة . اللّهمّ إلّا أن يقال : المراد بالشرّ هاهنا ما كان سببا لذاته لما هو شرّ بالذات والعقل لا يفعل القحط لذاته بل إنّما يفعل ما يترتّب عليه ذلك فترتّبه على العقل بالعرض وقس عليه ؛ فتأمّل .
( 39 ) . ليس كذلك ! بل الشارح سلك طريقا آخر لتوجيه كلام الشيخ لم يتوقّف هذا التقرير على كونه - تعالى - فاعلا بالاختيار ولا على كون الأفعال متّصفة بالحسن والقبح العقليين .
وتقريره كما تدلّ عليه عبارته : إنّ الشيخ ليس غرضه إنّ هاهنا سؤالا متوجّها وكان في صدد بيان جوابه ، بل إنّ الفلاسفة لمّا بحثوا عن أفعاله - تعالى - ووجدوا في أفعاله ما يكون شرّا في الجملة بحثوا عن كيفية صدور الشرّ عنه - تعالى ، مع أنّه كان خيرا بالذات .
ويمكن أن يكون قوله : « عمّا هو خير بالذات » محطّ الفائدة ، إذ كان المراد أنّه يتوجّه هاهنا سؤال وإن كان خطابيا وهو : أنّه كيف يتصوّر ويعقل صدور الشرّ عن الخير بالذات مع أنّ المناسبة بين المؤثّر والآثار يقتضي كونها خيرات .
ولا يخفى أنّ شيئا من التقريرين لا يتوقّف على منع مقدّمة واحدة ممّا ذكره الإمام فضلا عن توقّفه على منع المقدّمتين جميعا .
( 40 ) . الرذيلة المذكورة في الشرح ليس هو المذكور في المتن ، بل ذكر الشارح هذا بعد الجهل إشارة إلى أن الجهل الكامل إنّما يوجب الهلاك السرمد لكونه رذيلة عظيمة ، لأنّ عند الفلاسفة الشقاوة من جهة الرذائل ، فهذا كالتفسير للجهل ؛ فتأمّل ولا تتخبّط ! ( 41 ) . الأظهر في الجواب ما قالوا : إنّ العلم تابع للمعلوم دون العكس ، فليس العلم بالمعصية سببا للمعصية حتّى يجب المعصية بوجوبه ؛ فعلمه - تعالى - بمعصية زيد لأنّه سيعصى لا أنّ زيدا يعصي لأنّه قد علم اللّه - تعالى - معصيتة ! ومن المعلوم أنّ وجوب الشيء المقارن اللازم لفعل لا يجعل ذلك اضطراريا بحيث يقبح العقل التكليف به ، وإلّا لزم أن لا يحسن التكليف إلّا لما سيقع إليه ولا يحسن أن يتعلّق بغيره ، ومن المعلوم أنّه ليس كذلك .
الإلهيات من المحاكمات بين شرحي الإشارات ( مع حواشي الباغنوي ) — صفحة 435
مساهمون: قطب الدين الرازي
ص٤٣٥