كان هؤلاء نفوا قاعدة التحسين والتقبيح العقلي لم يتوجّه أنّه لا ينبغي له - تعالى - عذابهم وعقابهم بفعل لم يكن لهم اختيار فيه بالمعنى الّذي قرّرنا ، لأنّ هذا راجع إلى أنّ هذا قبيح عند العقل وقد عرفت بطلانه عندهم ، بل ما يفعله اللّه - تعالى - هو عين الحسن عندهم . ولا يرد على الحكماء النافين لاختياره - تعالى - بمعنى صحّة الفعل والترك ، إذ على تقدير القول بتحقّق الاختيار بالمعنى الّذي ذهب إليه الحكماء كان المتحقّق في العبد هو الاختيار المشوب بالإيجاب .
ولا يخفى أنّ ما ذكرنا في العبد جار في شأنه - تعالى - وعندهم المتحقّق في شأنه - تعالى - أيضا هو الاختيار المشوب بالإيجاب ؛ فإذا قال العبد : صدور المعصية منّي بغير اختيار صرف فلم تعاقبني ؟ فله - تعالى - أن يقول : صدور العقاب والعذاب منّي أيضا بهذا الوجه بعينه ، فليس لك السؤال عنه .
والّذي يدلّ عليه الأصول الحاصلة بالنظر والاستدلال أن لا معنى للاختيار إلّا بهذا الوجه دون الوجه الّذي ذكره المتكلّمون ؛ وحينئذ يمتنع التخلّف وكان الاختيار مشوبا بالإيجاب . فإذا لم يقل بنفي القاعدة المذكورة كما اختاره الأشاعرة فينحصر الجواب فيما قرّرنا ، فلا بدّ للمعتزلة أن يلتزموا أنّ الاختيار في شأن العبد وفي شأنه - تعالى - كان مشوبا بالإيجاب ، وتفصّوا عن الإشكال المذكور بما قرّرنا . فالخلاص من هذا الإشكال إنّما يتصوّر بالقول بشائبة الإيجاب في شأنه - تعالى - وقد قال به بعض المتكلّمين أيضا ؛ أو بالقول بنفي الحسن والقبح العقلي .
ولعمري إنّ تحقيق هذا المبحث على هذا الوجه ممّا لم يحم أحد حوله ! و
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
( مائدة / 54 ) .
واللّه أعلم بحقيقة الحال وحقيقة المقال . / 35
DB
/