وجواب الشيخ عن هذا الوجه وتحرير جوابه أن يقال : لما كانت النفس « 1 » الإنسانية في علم الباري قابلة للكمالات وكانت « 2 » الحكمة العالية اقتضت إفاضة تلك الكمالات لكن بحسب استعدادات يحصل لها من أفاعيلها ، وكان فيها قوى يمنعها من تلك الأفاعيل « 3 » إلى أفاعيل تضادّها ، قدّر تكليفا وتخويفا يكون من أسباب ارادته « 4 » الأفعال الجميلة . ولما كان الوفاء بذلك التخويف أيضا من أسباب ذلك مؤكّدا له والوفاء بالتخويف العقوبة لا جرم صار العقوبة سببا من أسباب إرادة الأفاعيل الجميلة غاية ما في الباب أنّ العقوبة يكون شرّا بالقياس إلى الشخص المعذّب ، لكنّها لمّا كانت سببا لكمالات سائر النفوس لم يلتفت إلى ذلك ، فإنّ ترك الخير الكثير لأجل الشرّ اليسير شرّ كثير .
ثمّ لمّا لم « 5 » يكن بدّ من أن يكون « 6 » لذلك التكليف شارع وحافظ بعث الأنبياء والرسل لذلك . فهذه كلّها أسباب لصدور الفعل الخير من النفس الإنسانية وهذا كما أنّ الهيولى لمّا كانت مستعدّة للصور في العلم الأزلي خلق فلك غير منقطع الحركة يختلف حال « 7 » الهيولى « 8 » بحسب اختلاف حركاته وأوضاعه ، فيفيض من « 9 » المبدأ الفياض صورة صورة .
فحال النفس الإنسانية هكذا .
الطريقة الثانية : طريقة المعتزلة ، وهي أنّ اللّه - تعالى - كلّف العباد لأنّ صلاح حالهم في التكليف ، ووعدهم على الطاعة وأوعدهم على المعصية لأنّ ذلك الوعد والإيعاد لطف من اللّه تعالى « 10 » يقرّبهم إلى الطاعة وتجنّبهم عن المعصية ، ثمّ إنّه يجب عليه الإثابة على الطاعات ، إذ « 11 » الإخلال به قبح « 12 » ظلم ، وأمّا العقاب فحسن أيضا لارتكابهم المعاصي .
فإذا قيل لهم : لم يعذّبون ؟
قالوا : لأنّهم ارتكبوا المعاصي ؛ وإذا قيل لهم « 13 » : لم ارتكبوا المعاصي ؟
هامش
( 1 ) . م : نفس .
( 2 ) . م : فكانت .
( 3 ) . ص : أي .
( 4 ) . س ، ص : إرادية .
( 5 ) . ص : - لم .
( 6 ) . س : - أن يكون ل .
( 7 ) . س : - حال .
( 8 ) . ج : الحركة .
( 9 ) . ص : - من .
( 10 ) . م : - تعالى .
( 11 ) . ص : أو .
( 12 ) . م : + و .
( 13 ) . م : - لهم .