كانّ معلّلا بغرض تحصيل للمدح ودفع للذمّ ، وإلّا كان سفيها . ولهذا كان المعتزلة :
القائلون بالحسن العقلي أثبتوا لفعله - تعالى - غاية وغرضا ؛ فتأمّل ! . الأولى أن يقول : العلّة الغائية لمّا كانت علّة لفاعلية الفاعل سواء كانت العلّية من حيث الوجود أو من حيث الماهيّة وكان الواجب - تعالى - كما كان علّة فاعلية لمعلوله كان فاعلا لفاعليته أيضا بالقياس إلى معلوله لأنّه تامّ العلّية فلم يحتج فاعليته إلى أمر خارج من ذاته ، فذاته باعتبار أنّه مؤثّر فاعل لفعل وباعتبار أنّه علّة لفاعلية كانت علّة غائية له . وأمّا المبدأ العالي كالعقل الأوّل فغاية فعله هو المبدأ الحقّ من حيث أنّه يفعل لغرض له فيه .
فالغاية في الحقيقة تشبّهه بجنابه ؛ لا بأن يحدث ذلك حتّى يلزم كونه بالقوّة بل بأن يوجد وجودا أزليا .
وأمّا ما ذكره فبعيد ! لأنّه جعل الواجب غاية لفعل العقل باعتبار أنّه فاعل لذاته وذاته غايته لفعله .
. قد ذكر الشارح في جواب المثال الأوّل الّذي ذكره كلاما بهذه العبارة : « وهاهنا حصول ما ينبغي لم يصدر من الحجر بالذات ، لأنّ الحاصل منه بالذات هو حركته الطبيعية وهي استفادة كمال منه لنفسه ، لا ايصال كمال لغيره ، وإنّما وقع على رأس الإنسان اتفاقا » ؛ وقال في ذيل جواب المثال الثاني : « وهكذا حال سائر الفاعلات الطبيعية ، فإنّها لا تفيد غيرها بأفعالها شيئا إلّا بالعرض » . وقد شرحه صاحب المحاكمات بقوله : « فإنّ كلّ فاعل طبيعي يفعل شيئا وذلك الفعل كمال له بالذات ، وأمّا إنّه كمال لغيره فهو بالعرض » .
فتلخّص ممّا نقلنا أنّ طبيعة الدواء كطبيعة الحجر لا يفعل إحداث الكيفية إلّا لنفسه ، لأنّه كمال لها . وأمّا إنّه كمال للغير وكان ممّا ينبغي له فإفادته له إنّما هو بالعرض لا بالذات .
والدليل عليه : إنّه إذا أورد الفلفل على مزاج حارّ أحدث كيفية هي نفس كيفية أحدثها في مزاج بارد ، مع أنّ تلك الكيفية ممّا ينبغي للمزاج الثاني دون الأوّل ؛ فعلم منه أنّ كونه ممّا ينبغي لهذا المزاج ليس أثر طبيعة الدواء . فهذا جواب الاعتراض الأوّل .
وأمّا ما ذكره بقوله : « على أنّ المراد بالذات إن كان بلا واسطة » ، فجوابه : إنّ كلام الشيخ في هذا المقام على ما يدلّ عليه فصل بيان العناية مبنيّ على ما نقله الشيخ في بعض كتبه
الإلهيات من المحاكمات بين شرحي الإشارات ( مع حواشي الباغنوي ) — صفحة 327
مساهمون: قطب الدين الرازي
ص٣٢٧