ثمّ المراد « بمطلق الوجود » في توجيه الإمام هو الوجود في الجملة لا جميع الوجودات ، لعدم ملائمة قوله : « فإنّ لفظ الوجود مهملة » معه ؛ ولا الوجود المطلق الكلّي ، وهو ظاهر .
وحينئذ يمكن رجع الضمير إلى الوجود المراد منه الوجود في الجملة . إلّا أنّ مصداقه إنّما هو وجود الممكن ؛ ولا حاجة إلى ارتكاب هذا التقدير في توجيه كلام الشيخ .
. لا يخفى على أحد أنّ كلّ صفة ثابتة لفرد ماهيّة فهي ثابتة لتلك الماهيّة في ضمن هذا الفرد ، ضرورة اتّحاد ذلك الفرد مع ماهيّتها في الوجود العيني على رأى المحقّقين كالشيخ ومن يحذو حذوه ، ممّن ذهب إلى وجود الطبائع في الأعيان ، فكلّ ما ثبت له ويتّحد معه في الوجود يثبت للماهيّة ويتّحد معها أيضا ، ومن المعلوم إنّ الإحساس ثابت للفرد والمحسوس محمول عليه ؛ فلا بدّ من ثبوت الإحساس وحمل المحسوس على الماهية لا بشرط شيء ، فالشيخ لم ينكر كون الطبيعة محسوسة في ضمن الفرد ، بل إنّما ينفي كونها محسوسة بالاستقلال .
وحينئذ نقول : لا يخفى على المنصف إنّ كلّ محسوس بالاستقلال والأصالة فله هوية وهاذيّة تدخل فيها الأعراض المعيّنة سواء كانت موضعا أو وضعا أو غير ذلك ، وذلك لأنّ المتأصّل في المحسوسية هو هذه الذات مثلا ، ويدخل في هاذيّته أمر جزئي معيّن يمتاز به عن محسوس آخر سواء سمّي تشخّصا أو مشخّصا أو غير ذلك ، ولا شك أنّ ما يدخل فيه ذلك الأمر المعيّن الجزئي لا يصدق على شيء آخر لم يتحقّق فيه ذلك الأمر لا في الخارج ولا في الذهن أيضا ، إذ الموجود في الذهن لا ينفكّ عنه ذلك الأمر وإلّا لم يكن الموجود ذلك الشخص . وعلى هذا يندفع جميع ما أورده صاحب المحاكمات ؛ أمّا الأوّل :
فلأنّا نختار الشقّ الأوّل ، وهو الظاهر من عبارة الشيخ حيث قال : « لا محالة » . . . إلى آخره ، والمنع ساقط على ما قرّرنا .
وأمّا الثاني : فنختار الشقّ الأوّل فيه أيضا ويسقط المنع عنه كما ذكرنا .
وأمّا الثالث : فلأنّا نختار أنّ الطبيعة الكلّية نفس الشخص في الخارج بمعنى أنّهما موجودان فيه بوجود واحد ، لكن ذلك لا يقتضي أنّها محسوسة بالأصالة والاستقلال .
الإلهيات من المحاكمات بين شرحي الإشارات ( مع حواشي الباغنوي ) — صفحة 100
مساهمون: قطب الدين الرازي
ص١٠٠