ويقرب من ذلك ما ذكره « 43 » بعض المفسّرين من أنّ معناه لا أريد عبادة ما عبدتم فلا يبعد أن يقال ، إنّ معنى الجملة الفعلية نفى الفعل في زمان معين ، والجملة الاسمية معناه نفى الدخول تحت هذا المفهوم مطلقا من غير تعرّض للزمان ، كأنّه قال ، ما أنا ممّن يصدق عليه هذا المفهوم أصلا ولا أنتم ممّن يصدق عليه ذلك المفهوم [ وهذا أقرب ممّا قال ابن تيميّة ولعلّه أوضح ] « 44 » .
ثم قيل « 45 » : إنّ « ما » في لا أنتم عابدون ما أعبد . بمعنى « من » لأنّ المراد به هو اللّه تعالى .
أقول : يمكن أن يقال بناء على القاعدة الّتي مهدها صاحب الكشاف في مواضع ، وهي أنّه إذا كان المراد من الموصول هو الصفة ، يعبّر عنه بلفظ « ما » كما في قوله تعالى :
وَالسَّماءِ وَما بَناها وَالْأَرْضِ وَما طَحاها وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها
الشمس / 5 و 6 و 7 .
وهاهنا كذلك ، فإنّ تعليق النفي بالوصف ادخل في التبري عن المشاركة معهم ، كما لا يخفى . والعبادة على ما فسّر المفسرون والفقهاء أقصى غايات التذلل والخشوع ، وذكروا أنّه لو سجد العبد لغيره تعالى بقصد العبادة كفر وبمجرد قصد التعظيم لا يكفر .
أقول : إن كان المراد بغاية التذلل والخشوع ما يكون في مرتبة الخشوع والتذلل للّه تعالى فلا شكّ أنّ الكفّار لم يعتقدوا في حقّ أصنامهم تلك العظمة ، ولم يعظّموها هذا التعظيم فإنّهم يعتقدون أنّها وسائل وشفعاء عند اللّه .
ولا يريب عاقل أنّ عظمة الشفيع والوسيلة ، ليست مثل عظمة المشفوع عنده والمتوسل إليه وإنّ التذلّل والخضوع للشفيع اقلّ من التذلّل والخضوع للمشفوع عنده ، وبالجملة لا يتعيّن ممّا ذكروه حدّ الخضوع والتذلل الّذي تمتاز به العبادة عن غيرها ويكفر الإنسان بالإتيان به بالنسبة إلى غيره تعالى .
وكلمة « يا » حرف وضع لنداء البعيد والقريب عند أهل العربيّة ، وعند بعضهم هو مخصوص بالبعيد ، لما في آخره من الألف للمدّ المناسب للبعيد ، ولو حمل هاهنا على نداء البعيد كان ذلك لبعدهم عن ساحة عزّ الحضور لدناءة محلّهم وإن حمل على نداء القريب
هامش
( 43 ) نقله . د
( 44 ) ليس في نسخة . د
( 45 ) وقيل . د