والحاصل - أنّه لمّا ثبت أنّه كان يتحنّث أي يتعبّد الليالي ذوات العدد فلا جرم تكون هذه العبادة عبادة اللّه لا غير إذ الأنبياء معصومون عن الكفر قبل البعثة بالاتفاق .
ثم في حمل قوله
« وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ »
على الماضي نظر من حيث العربيّة ، فإنّ اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل إلا في لغة ضعيفة وقد عمل هاهنا في قوله تعالى
« ما عَبَدْتُّمْ »
فإنّه إمّا مفعول به أو مفعول مطلق ، إذ لو كان ما موصولة أو موصوفة كان مفعولا به .
وإن كانت مصدرية كان مفعولا مطلقا [ 1 ] وقد نقل ابن كثير في تفسيره عن البخاري وغيره : أنّ المراد
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
في الماضي
وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
في المستقبل .
وقد علم « 35 » أنّ إعمال اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لغة ضعيفة .
هامش
( 35 ) وأنت تعلم . د نعبد إلهك سنة فأنزل اللّه تعالى قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ، فذكر هشام للزنديق فقال ليس هذا من خزانتك هذا من خزانه غيرك .
وقال ثعلب : إنّما حسن التكرار لأنّ تحت كل لفظة معنى ليس هو تحت الأخرى .
وتلخيص الكلام لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ الساعة وفي هذه الحالة ولا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ في هذه الحال أيضا واختص الفعلان منه ومنهم بالحال وقال من بعد وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ في المستقبل ولا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ فيما تستقبلون فاختلف المعنى وحسن التكرار لاختلافهما .
( 1 ) ما - ترد اسمية وحرفية .
والاسمية تكون .
1 - موصولة . نحو ما عندكم ينفد وما عند اللّه باق .
2 - نكرة موصوفة . نحو مررت بما معجب لك .
3 - صفة لنكرة . وتفيد الإبهام وتأكيد التنكير والتعظيم والتحقير نحو أعطه شيئا ما يجيئك وقتاما .
4 - شرطيّه . وهي زمانيّة وغير زمانيّة نحو فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم . وما تفعلوا من خير يعلمه اللّه .
5 - استفهامية . نحو وما تلك بيمينك يا موسى .
والحرفية تكون 1 - نافية . نحو ما هي عنكم ببعيد .
2 - مصدرية . وهي إمّا زمانيّة نحو أوصاني بالصّلاة والزكاة ما دمت حيّا . أي مدّة دوامى حيّا وغير زمانية نحو وضاقت عليهم الأرض بما رحبت أي برحبتها .
3 - كافة . وهي الّتي تمنع العامل من العمل رفعا ونصبا وجرّا ولذا لم يجعل مندرجة تحت الزائدة نحو قلّما - طالما - كثرما - إنّما - ليتما - ربّما - كما - بعد ما - وأمثال ذلك .
4 - زائدة . نحو فيما رحمة من اللّه لنت لهم .