القول به ابعد من القول بالتخصيص .
أمّا على الأوّل فلأنّه تخصيص خاصّ ، ولا فرق بين التخصيص بحسب الأوقات ، والتخصيص بحسب الأفراد ، في شمول مطلق التخصيص لها ، وتسمية أحدهما بالتخصيص والاخر بالنسخ ، مجرد اصطلاح لا يترتّب عليه حكم معنوي يقتضى كون أحدهما أولى من الاخر .
وأمّا على الثاني فالأمر اظهر ، فإنّه حينئذ يكون مبيّنا للحكم السابق ، ودفعا لتوهّم بقائه لا معارضا له ولا مصادما ، فيكون أولى ممّا يخصّونه باسم التخصيص [ ويرجّحونه على ما يخصّونه باسم النسخ ] « 31 » .
ومن له أدنى بصيرة يتفطن أنّ منشأ هذه الأقوال ، ومبالغتهم في ترجيح مثل هذه التأويلات البعيدة التي سبق بعضها ، توهمهم أنّ النسخ عبارة عن إبطال الحكم .
وقد علمت أنّه ليس كذلك كما مرّ مفصّلا .
وقد ذكر فقهائنا أعنى الأئمة الشافعيّة : أنّ الأصحّ أنّه إذا أحدث المتوضّي لا يقال بطل وضوئه بل يقال انتهى ، وإذا كان الحال كذلك ، فالحكم الصادر عن اللّه تعالى أولى بأن لا ينسب إلى البطلان ويحترز عن اطلاق الباطل عليه ، بل يقال انتهى وانقضى .
وأمّا ثانيا - فلأنّ النبي ( ص ) قاتل بعد نزول هذه السورة غير المشركين كيهود خيبر ، فليس حكم القتال مخصوصا بالمشركين هذا .
وأمّا أصحاب المذهب الثالث فيقولون : لمّا كان لهذه الآية محامل صحيحة لا ينافي مضمون آية القتال ، فلا يجوز القول بنسخها بناء على أنّ النسخ إنّما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة هاهنا .
والان حان أن نشرع في تفسير السورة بتوفيق اللّه تعالى .
فنقول : قال اللّه تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
ذكر المفسرون أنّ رهطا من قريش قالوا : يا محمّد هلّم فاتّبع ديننا ونتّبع دينك ، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة فقال : معاذ اللّه أن أشرك بالله غيره . فقالوا : فاستلم بعض آلهتنا نصدّقك ونعبد إلهك فنزلت هذه السّورة ، فغدا إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش ، فقام
هامش
( 31 ) ليس في نسخة . د