وأمّا دليلهم على كون قوله تعالى :
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
الكافرون / 6 منسوخا .
فقد أجيب عنه بأنّه يجوز أن يكون المراد بالآية تهديدهم ، بأنّ لكم كفركم وعقابكم به ، ولى التوحيد والدّرجات المترتبة عليه .
أو لكم حسابكم ولى حسابي . أو لكم جزائكم ولى جزائي ، على أن يكون الدّين بمعنى الجزاء كقوله تعالى :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
الفاتحة / 4 وقول الشاعر - ولم يبق سوى العدوان دنّاهم كما دانوا .
وقولهم : كما تدين تدان .
ومع قيام هذه الاحتمالات يبطل الاستدلال .
وقيل على تقدير أن يكون المراد منه ترك المقاتلة ، لا يلزم كونه منسوخا بناء على أنّ النهى عن القتال في بدو الحال كان لقلّة جنود الإسلام فكان المصلحة في ترك قتالهم ، إلى أن قوى أهل الإسلام وكثر جنودهم فأمروا بالقتال .
وأيضا النهى عن القتال ، إنّما هو في حقّ الكافرين مطلقا ، والأمر بالقتال إنّما هو في حقّ المشركين ، والكافرون أعمّ من المشركين ، إذ كلّ مشرك كافر ، وليس كلّ كافر مشرك ، مثل اليهود والنصارى ، فيكون آية القتال تخصيصا لهذه الآية ، ولا يكون ناسخا لها ، فإن التخصيص غير النسخ ، وهو أولى من النسخ .
وأقول : فيه بحث .
أمّا أوّلا - فلأنّ كون المصلحة منوطة في الأوّل بترك المقاتلة وفي ثاني الحال بالمقاتلة ، لا تخرج الحال عن النسخ ، بل ذلك يكون مصلحة النسخ والحكمة فيه ، إذ النسخ كما تقرر ، إمّا تخصيص بحسب الأوقات ، أو رفع احتمال بقاء الحكم ، فإذا خصّص حكم المتاركة بزمان يكون نسخا لا محالة . وتفصيل المقام .
إنّ النسخ إذا وقع على حكم مقيد بالدّوام ، فهو من قبيل التخصيص بحسب الأوقات ، وإن لم يكن ذلك الحكم مقيّدا به ، فهو رفع احتمال بقاء الحكم ، وعلى التقديرين ليس