الحجّة لغيرهم ممّن ليس من أهل التجريد والمشاهدة وجميع المتألهين متفقون على ذلك وأكثرهم صرّح بأنّه شاهدها وحكى أفلاطون عن نفسه أنّه خلع الظلمات أي التعلّقات البدنيّة وشاهدها حتى أنّ حكماء الفرس سمّوا كثيرا منها فسمّوا ربّ صنم الماء خرداد وربّ الأشجار مرداد وربّ النّار ارديبهشت .
وإلى تلك الأرباب أشار سيّدنا الكاشف عن حقائق الأشياء « 6 » صلّى اللّه عليه وآله بقوله : أتاني ملك الجبال وملك البحار وملك الأمطار .
وإذا اعتبر رصد شخص أو اشخاص معدودة كبطليموس وأبرخس ومن ضاهاهما من أرباب الإرصاد الجسمانيّة في الأمور الفلكيّة من الحركات وغيرها حتى تبعهم من تلاهم في ذلك وبنوا عليه علوما كعلم الهيئة والنجوم .
فكيف لا يعتبر قول أساطين الحكمة والنبوّة في شئ شاهدوه في إرصادهم الروحانيّة في خلواتهم ورياضاتهم . هذا [ 1 ] ما ذكره المصنّف في كتبه .
أقول : ليس غرضه من ذلك أن تقنع بمجرّد تقليد هؤلاء الأساطين في مثل هذا المطلب العالي بل الغرض من تلك المبالغة تشويق الطّالب حتّى يتوجّه إلى طريق تحصيله بما يمكنه من التجريد وتلطيف السّر فإن لم يتيسّر له في أوائل التوجّه لا يسيء ظنّه بل يطلب طريق تحصيله من خدمة أصحاب المشاهدة واللّه أعلم .
ثمّ إنّ ما ذكره من أنّ روح القدس المسمّى بالعقل الفعّال هو ربّ النوع الإنسانى مخالف لما يشعر به كلمة « 7 » المتأخّرين من أتباع المشائين فإنّهم يجعلون روح القدس والعقل الفعّال عبارة عن العقل العاشر الّذي هو علّة وجود الهيولى الأولى للعناصر بذاته وبواسطة الاستعدادات الحاصلة من الحركات الفلكيّة للصّور الفائضة عليها لكنّه المؤيّد بإشارات أهل الإشراق .
هذا هو الظاهر من وصفه المذكور وهو قوله « أبونا وربّ طلسم نوعنا الخ » وربما يحتمل احتمالا مرجوحا أن يكون مراده العقل العاشر مما شاة مع المشّائين فإنّه قد تسامح في بعض المواضع بالمماشاة معهم وحينئذ يكون الوصف المذكور باعتبار أنّه علّة لنوعه كما هو علة لجميع الحوادث .
هامش
( 6 ) . الأنباء . ط - الأنبياء . ح
( 7 ) . كلام . م
( 1 ) من قوله : اعلم إلى هاهنا .