( فثبت ) بهذا ان الحق هو القسم الثالث وهو أن تكون إرادة اللّه تعالى لوجوب الذات المريدة وهي ذات اللّه تعالى ومتى كانت كذلك كانت إرادة دائمة الوجود ولا تختلف باختلاف حصول المراد وعدم حصوله إذ لو لم تكن دائمة الوجود لم تكن ذاته سبحانه وتعالى سببا مستقلا باقتضاء تلك الإرادة وحينئذ تعود الاقسام الباطلة وإذا كانت إرادة اللّه تعالى دائمة الوجود لم تكن تلك الإرادة قصدا إلى التكوين لان القصد إلى الشيء يستحيل بقاؤه عند حصول ذلك الشيء * ( فثبت ) ان إرادة اللّه تعالى ليست عبارة عن القصد * ( بل الحق ) في معنى كونه مريدا انه سبحانه وتعالى يعقل ذاته ويعقل نظام الخير الموجود في الكل انه كيف يكون وذلك النظام يكون لا محالة كائنا مستفيضا وهو خير غير مناف لذات المبدأ الأول فعلم المبدأ بفيضانه عنه وانه خير غير مناف لذاته هو ارادته لذلك ورضاه * ( واما ) إذا حققنا حكمنا بان الفرق بين المريد وغير المريد سواء كان في حقنا أو في حق اللّه تعالى هو ما ذكرناه فان إرادتنا ما دامت متساوية النسبة إلى وجود المراد وعدمه لم تكن صالحة لترجيح أحد ذينك الطرفين على الآخر وإذا صارت نسبتها إلى وجود المراد أرجح من نسبتها إلى عدمه وثبت ان الرجحان لا يحصل الا عند الانتهاء إلى حد الوجوب لزم منه ان الإرادة الجازمة انما تتحقق عند ذلك وهناك قد صارت موجبة للفعل فإذا ما يقال من الفرق بين الموجب والمختار ان المختار يمكنه ان يفعل وان لا يفعل والموجب لا يمكنه ان لا يفعل كلام باطل * ( لأنا بينا ) ان الإرادة متى كانت متساوية النسبة لم تكن جازمة وهناك يمتنع
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 490
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٩٠