مواد الحيوانات مثل المني ودم الطمث أجساما متشابهة الاجزاء ومتشابهة الامتزاج ثم إنه يتكون عنها حيوان مركب من أجسام مختلفة الطبائع متباينة الأوضاع والجهات ومن المعلوم ان القوة الواحدة الطبيعية في المادة الواحدة لا تفعل الا فعلا واحدا ومن هذا حكمت الحكماء بان شكل البسيط هو الكرة * ( وقول من يقول ) المني وان كان متشابه الاجزاء في الحس الا انه مختلف الاجزاء في الحقيقة لا يدفع هذه الحجة * ( لأنا نقول ) هب ان اختلاف الأعضاء لاختلاف المواد فما السبب المقتضى لتشكل كل عضو بشكل مخصوص ( ثم ) ما السبب لترتيب الأعضاء وتجاورها على أحسن ترتيب وأكمل وضع بحيث عجزت العقول السليمة عن احصاء منافع ذلك الترتيب فظاهر عند ذوى العقول السليمة انه لا يمكن استناد ذلك إلى اختلاف المواد ولا إلى قوة طبيعية عديمة الشعور بآثارها وافعالها ولا إلى النفس التي للواحد منا فان نفوسنا عندما تصير أكمل وأقوى ربما لا تحيط بهيئة الأعضاء وتركيبها ومنافعها بعد اتعاب الخاطر في التعلم والاستعانة بمقالات المتقدمين الا بالقليل ولا تقدر على أن تتصرف في هذا البدن تصرفا قليلا فضلا عن الكثير فكيف يخطر ببال العاقل انها عندما كانت في غاية الضعف ونهاية الغفلة فعلت هذا البدن العجيب التركيب مع ما فيه من المنافع والكمال فظاهر بين ان هذا التركيب لا يصدر الا عن فاعل حكيم قادر على الكمال عالم بالكليات والجزئيات * ( فهذا تقرير هذه الحجة ) وهي قوية جدا ولكن عليها اشكالان * ( الأول ) ان يقال هب ان فاعل هذه الأبدان ومركبها حكيم عالم بالجزئيات لكن لم قلتم ان ذلك هو المبدأ الأول فلم لا يجوز ان يكون المبدأ الأول
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 481
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٨١