تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
على كثير من الأذكياء فما قدحوا في شيء من مقدماتها * ( ولكن عرض لي ) شك بعد ذلك في بعض مقدماتها وذلك لان الجسمية ليست عبارة عن وجود هذه الابعاد بالفعل لأن هذه الابعاد من باب الكم وليست أيضا عبارة عن نفس قابلية هذه الابعاد على ما يشعر به ظواهر الكتب لوجهين * ( الأول ) انا قد دللنا على أن قابلية الشيء للشيء يستحيل ان يكون وصفا ثبوتيا * ( والثاني ) انها لو كانت وصفا ثبوتيا لكانت من باب النسب والإضافات ومثل ذلك لا تكون صورة مقومة بل الجسمية عبارة عن الامر الذي لأجله قد حصلت هذه القابلية وذلك الامر غير محسوس ولا معلوم بالضرورة فان المدرك المعلوم بالضرورة هو هذه المقادير والابعاد واما وجود امر آخر لأجله تحصل قابلية هذه المقادير فلا هو مدرك بالحس ولا هو معلوم بالضرورة وإذا كان كذلك لم يمكن دعوى الضرورة في كون ذلك الامر مشتركا بين الأجسام كلها فإنه من المحتمل ان يكون الامر الذي لأجله كان هذا الجسم قابلا لهذه الابعاد الثلاثة مخالفا بالنوعية للامر الذي لأجله كان الجسم الآخر قابلا لهذه الابعاد فإنك قد عرفت ان المعلول النوعي يجوز استناده إلى علل مختلقة الطبائع والماهيات وإذا كان هذا الاحتمال قائما لم يلزم من قولنا سبب وجود الشكل المعين للفلك المعين هو جسميته ان يكون ذلك الشكل مشتركا بين الأجسام كلها والناس انما غفلوا عن هذه الدقيقة لان الغالب على الظنون ان الجسمية هي هذه الابعاد والمقادير ثم لما علموا انه لا اختلاف في طبيعة المقدار لا جرم حكموا بأن الجسمية مشتركة فيها فاما الذين يجعلون الجسمية امرا وراء ذلك فلا يمكنهم دعوى الضرورة في كون ذلك المعنى مشتركا بل
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 47 | فخر الدين الرازي