واشتاقت إلى تحصيل ذلك الكمال وذلك عندما يبرهن لها ان من شأن النفس ادراك ماهية الكل بكسب المجهول من المعلوم والانتقال من الحاضرات إلى الغائبات والاستكمال بتلك التصورات بالفعل الا انها لم تحصل هذه الكمالات بل حصلت اضدادها فإنها بعد المفارقة يعرض لها من الألم لفقدان الكمالات المعشوقة لها مثل ما يعرض من اللذة التي أوجبنا وجودها ودللنا على عظم منزلتها ويكون ذلك هو الألم الذي لا يساويه تفريق النار الاتصال وتبديل الزمهرير المزاج وصاحب هذا الجهل انما لا يدرك هذا الألم للعذر الذي قدمناه * ( واما القسم الثالث ) وهو النفوس البله التي لم تكتسب الشوق فإنها إذا فارقت البدن وكانت غير مكتسبة للهيئات الردية صارت إلى سعة من رحمة اللّه وان كانت مكتسبة للهيئات الردية البدنية فتعذب عذابا شديدا لفقدان البدن الذي هي مشتاقة اليه * ( وقال بعضهم ) ان هذه الأنفس إذا كانت زكية وفارقت البدن وكانت متصورة لأمور قيل لها في امر معادها من الحور والقصور فإنها إذا فارقت الأبدان ولم يكن لها علوم تسعدها ولا جهل يشقيها فإنها تتخيل جميع ما قيل لها في الدنيا وتكون آلة تخيلها لذلك جرما من الاجرام السماوية فتشاهد جميع ما قيل لها من أحوال القبر والبعث والخيرات وتكون الأنفس الردية أيضا تشاهد العقاب المصور لها في الدنيا فان الصورة الخيالية ليست تضعف عن الحسية بل تزداد عليها تأثيرا كما يشاهد في المنام فربما كان تأثير المحكوم به أعظم في النفس من تأثير المحسوس وهذه الحالة التي ذكرناها أشد استقرارا من الموجود في المنام بحسب قلة العوائق وتجرد النفس وصفاء القابل *
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 430
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٣٠