النفس دائما وإذا كان كذلك علمنا أن البليد لما تعذر عليه ادراك تلك الماهية فليس ذلك لان جوهر نفسه لا يقبل ادراك تلك الماهية بل ذلك التعذر لا بد وان يكون لأمور خارجة عن ذاته فثبت ان النفوس كلها متساوية في صحة ادراك الماهيات وقد ثبت ان تصور الماهية وتصور لازمها علة للحكم بثبوت ذلك اللازم لها وإذا كانت النفوس كلها متساوية في صحة ادراك الماهيات وادراك الماهيات علة للعلم بحكم الذهن بثبوت بعضها للبعض وسلب بعضها عن البعض فإذا النفوس مشتركة في قبول علة هذه الأحكام فتكون مشتركة في صحة هذه الأحكام فثبت ان النفوس مشتركة في جواهرها في صحة الادراكات وبهذا الطريق يظهر انها مشتركة في التحريك لان الغضوب إذا تعود الحلم فلا بد وان يصير حليما وان كان بعد حين * ( وإذا ثبت ) ان النفوس متساوية في صحة اتصافها بالافعال الادراكية والتحريكية ( فنقول ) وجب ان يكون متساوية قطعا لأنا لا نعقل من صفات النفوس الا كونها مدركة ومتحركة بالإرادة وقد بينا تساويها فيهما فهي إذا متساوية في جميع صفاتها المعقولة فلو اختلفت بعد ذلك لكان اختلافها في صفات غير معقولة ولو فتحنا هذا الباب لزم تعذر الحكم بتماثل شيئين لأنا إذا أبصرنا سوادين متماثلين فيجوز ان يكون أحدهما مخالفا للآخر في صفة غير معقولة عندنا وذلك يؤدى إلى الحكم بالقدح في تماثل المتماثلات * ( الثالث ) انا قد دللنا في باب العلم ان كل ماهية مجردة فإنها لا بد وأن تكون عاقلة لحقيقة ذاتها لكن نفسنا ماهية مجردة فهي عاقلة بحقيقة ذاتها ثم انا لا نعقل من أنفسنا الا ماهية قوية على الادراك والتحريك فإذا ماهية نفسي هذا القدر وهو مشترك بين نفسي وبين سائر النفوس بالأدلة المذكورة في بيان
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 385
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٣٨٥