( الدليل الثالث ) ان الانسان ربما يدرك صورا لا وجود لها في الخارج مثل ما يعرض للمبرسمين وكما يعرض أيضا للنائم في رؤياه فإنه يشاهد صورا محسوسة وأصواتا مسموعة يميزها عن غيرها وكذلك الذي يشاهده أصحاب النفوس القوية من الأنبياء والأولياء وكذلك الكهنة فإنهم ربما يشاهدون صورا محسوسة لا يرتابون فيها ويميزون بينها وبين غيرها من الصور ويجدون بينها وبين غيرها من الصور الموجودة في كونها مشاهدة فرقا فإذا لتلك الصور وجود فان العدم المحض يمتنع ان يتميز عن غيره بحيث يكون مشاهدا بحسب ما تشاهد سائر الأمور الوجودية ووجودها ليس في الخارج والا لرءاها كل من كان سليم الحس فإذا تلك الأمور وجودها في المدرك وذلك يستحيل ان يكون شيئا غير جسماني لما سنبين ان ما لا يكون جسما وجسمانيا يمتنع ان تنطبع فيه صور الجسمانيات وليس ذلك هو الحس الظاهر فإنه يتعطل في النوم ولأنه ربما كان الذي يتخيل مسمول العينين فبقى ان يكون المدرك لتلك الصور قوة باطنة وليس ذلك الخيال الذي هو حافظ الصور والا لكان كل ما كان مخزونا فيه كان متمثلا مشاهدا وليس كذلك فبقى ان يكون المدرك لذلك قوة أخرى جسمانية وهو المطلوب * ( واعلم ) ان القدح في هذه الحجة ليس الا في قولهم ليس المدرك لهذه الصور هو جوهر النفس بل الحق عندنا ان المدرك لذلك هو جوهر النفس على ما سيتضح ذلك بالبراهين القاطعة * ( واحتج من نفى ) هذه القوة بدليلين ( الأول ) ان النائم قد يرى في النوم جبلا من الياقوت وبحرا من النار وهذه الصورة العظيمة يستحيل انطباعها في جزء البدن لاستحالة انطباع العظيم في الصغير فإذا محل هذه الصورة
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 326
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٣٢٦