آخر ( فاما الذي ) يحتجون به على أن النفس لا ينطبع فيها صور الجزئيات فسيأتي الكلام عليه وقولهم انطباع المقدار العظيم في المحل الصغير أقرب إلى العقل من انطباع المقدار العظيم فيما لا مقدار له * فنقول للشيخ وأصحابه هذا الكلام لا يتأتى منك لان محل المقدار هو الهيولى التي لا مقدار لها في ذاتها فإذا كان هذا مذهبا لك فكيف يمكنك انكار هذا الكلام وأيضا فلان المعلوم بالبديهة ان كل مقدارين ينطبعان فاما ان يتساويا أو يتفاضلا ومتى تفاضلا كانت الفضلة خارجة وإذا كان كذلك امتنع انطباع المقدار العظيم في المحل الصغير واما الشيء الذي لا مقدار له فإنه يستحيل ان يوصف بأنه أصغر من مقدار آخر أو أكبر منه فحينئذ لا يلزم من حلول المقدار العظيم فيه خروج بعض ذلك المقدار عن المحل فظهر الفرق فهذا ما يمكن ان يقال في هذه الحجة * ( الدليل الثاني ) لو كان الابصار لأجل الانطباع لما كنا نفرق بين القريب والبعيد فان المبصر إذا كان هو الشبح المنطبع في العين فذلك الشبح لا يختلف حاله بان يرتسم من شيء بعيد أو من شيء قريب كما أن الجسمين إذا حضرا عند الرائي أحدهما من مكان بعيد والآخر من مكان قريب فان الرائي لا يميز من حيث الابصار بان أحدهما جاء من مكان قريب والآخر من مكان بعيد ولما كان الاحساس بالقرب والبعد حاصلا بطل الانطباع * ( ولقائل ان يقول ) لم لا يجوز ان ينطبع في عين الرائي صور المسافات الطويلة والقصيرة فلا جرم صح منه ان يدركها والذي يدل عليه انا تتخيل أمورا لا وجود لها في الخارج على مسافات مخصوصة من القرب والبعد فإذا كانت تلك الأشياء معدومة في نفسها كان ما بينها من القرب والبعد معدوما أيضا في
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 305
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٣٠٥