يحصل الشعور بكون المصوت على اليمين ولا يحصل التموج إلى الاذن اليسرى الا بعد ان ينعطف عن اليمين فليس ادراك الجهة لان القارع انما جاء من تلك الجهة * ( واما الثاني ) فهو باطل أيضا والا لكنا لا ندرك البعيد القوى والقريب الضعيف ولكنا إذا سمعنا صوتين متساويى البعد مختلفين بالقوة والضعف وجب ان نظن أن أحدهما قريب والآخر بعيد ويشتبه علينا القوة والضعف بالقرب والبعد وليس الامر كذلك * ( فان قيل ) فما السبب في الشعور بجهة الصوت ( قلنا ) قال صاحب المعتبر انا قد علمنا أن هذا الادراك انما يحصل أولا بقرع الهواء المتموج لتجويف الصماخ ولذلك يقبل من الا بعد في زمان أطول ولكن بمجرد ادراك الصوت القائم بالهواء القارع لا يحصل الشعور بالجهة والقرب والبعد بل ذلك انما يحصل بتتبع الأثر الوارد من حيث ورد وما يبقى منه في الهواء الذي هو في المسافة التي فيها ورد * ( والحاصل ) انا عند غفلتنا يرد علينا هواء قارع فيدرك عند الصماخ وذلك القدر لا يفسد ادراك الجهة ثم انا بعد ذلك نتبعه بتاملنا فيتأدى ادراكنا من الذي يصل الينا إلى ما قبله فما قبله من جهته ومبدء وروده فإن كان بقي منه شيء متأد أدركناه إلى حيث ينقطع ويفنى وحينئذ ندرك الوارد ومدده وما بقي منه موجودا وجهته وبعد مورده وقربه وما بقي من قوة أمواجه وضعفها فلذلك ندرك البعيد ضعيفا لأنه يضعف تموجه حتى أن لم يبق في المسافة اثر ينبهنا على المبدأ لم نعلم من قدر البعد الا بقدر ما بقي فلا نفرق بين الرعد الواصل الينا من أعالي الجو وبين دوى الرحى الذي هو أقرب منه الينا وإذا كان
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 286
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٨٦