الامكان امر عدمي والأمور العدمية غير صالحة للمؤثرية فالامكان غير صالح للمؤثرية اما الصغرى فقد مضى بيانها واما الكبرى وهي ان الأمور العدمية لا تصلح أن تكون سببا ولا جزأ من السبب فلان سبب الشئ ما يفيد ثبوت الشئ فالمفيد للثبوت لا بد وان يكون له تعين وخصوصية باعتبارها يتميز عما ليس بسبب والا فلا يكون كونه سببا أولى من جعل غيره سببا وكل ما له في ذاته خصوصية وتعين فهو ثابت فإذا كل سبب فهو ثابت وينعكس انعكاس النقيض بان ما ليس بثابت فإنه لا يكون سببا وبهذا الكلام يتبين انه لا يمكن ان يكون جزء سبب لان جزء السبب سبب لسببية السبب ويعود الكلام الذي قدمناه فإذا الامكان ليس بسبب ولا جزء من السبب فهو أجنبي عن سببية السبب فلا يكون له اعتبار فيما يرجع إلى كون المؤثر مؤثرا فيكون اعتباره كاعتبار سائر السلوب الغير المتناهية الحاصلة له فان المؤثر يلزمه سلب كل ما عداه مثلا يلزمه انه ليس بماء ولا سماء ولا حجر ولا شجر ولا جميع الأمور الغير المتناهية وهي وان كانت لازمة لذات المؤثر فيما يرجع إلى كون المؤثر مؤثرا فهي عديمة الأثر فكذلك الامكان * ( البرهان الثاني ) ان الامكانات في الممكنات اما ان يكون تباينها في العدد فقط أو هي متباينة في الماهية فإن كان التباين في العدد فقط استحال ان يكون امكان شيء علة لوجود شيء لثلاثة أوجه ( اما أولا ) فلانه لا يكون استناده إلى بعض الامكانات أولى من استناده إلى الآخر ( واما ثانيا ) فلانه يجب ان يكون معلولا لامكان نفسه لان امكان المعلول مساو لامكان غيره فإذا صلح امكان غيره لان يكون علة فامكانه أولى بان يكون سببا لما فيه من مزيد الاختصاص فحينئذ يكون المعلول غنيا عما عداه فيكون واجبا لأنه
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 496
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٩٦