ان ينفعل عن المحسوس والشئ لا ينفعل عن الحالة المتمكنة التي لا تغيره بل عن الضد الوارد المغير إياه إلى غير ما هو عليه * ( واما المثالان فأحدهما ) ان حرارة صاحب الدق أشد كثيرا من حرارة صاحب الغب مع أن صاحب الدق لا يجد من الالتهاب ما يحس به صاحب الغب أو صاحب حمى اليوم لان حرارة الدق مستقرة في جوهر الأعضاء الأصلية وحرارة الغب واردة من مجاورة خلط على أعضاء محفوظ فيها مزاجها الطبيعي بحيث إذا تنحى عنها الخلط بقي العضو منها على مزاجه * ( المثال الثاني ) ان ذا النافض بالاستحمام شتاء إذا استحم بالماء الحار بل بالفاتر عرض له منه تاذ لان كيفية بدنه بعيدة عنه مضادة إياه ثم يألفه فيستلذه كما يتدرج إلى الاستحالة عن حال البرد العاجل ثم إذا قعد ساعة في الحمام الداخل فربما يتفق ان يصير بدنه أسخن من ذلك الماء فإذا غوفص بصب الماء الأول بغتة عليه اقشعر منه على أنه يستبرده * ( ويمكن ان يقال ) ان المنافاة صفة لا تتحقق الا عند ثبوت شيئين ليكون أحدهما منافيا للآخر فإذا كان لعضو كيفية فورد عليه ما يضاد كيفيته فلا يخلو اما ان يكون الوارد عليه قد أبطل كيفية ذلك العضو أو لم يبطل كيفيته فان أبطل كيفية ذلك العضو لم يكن هناك كيفيتان بل كيفية واحدة وإذا لم يوجد هناك كيفيتان لم تكن المنافاة حاصلة لما عرفت وإذا لم تكن المنافاة حاصلة لم يكن ادراك المنافي حاصلا فلا يكون الألم حاصلا واما إذا كان الوارد لا يقوى على ابطال كيفية العضو فحينئذ تكون المنافاة حاصلة بين كيفية العضو وكيفية الوارد عليه وإذا كانت المنافاة حاصلة فحينئذ يحصل الشعور بتلك المنافاة فلا جرم يتحقق الألم ( فهذا هو السبب ) في ان سوء المزاج
المباحث المشرقية في علم الالهيات والطبيعيات — صفحة 396
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٣٩٦