( واما المعنى الثاني ) فمعقول بنفسه لا يحوج تعقله إلى اعتبار وجود ما يقابله فللارض بالقياس إلى السماء وحدها جهة علو ولها بالقياس إلى غاية البعد التي هي مركزها علو ولما تغاير المعنيان اندفع الخلف * ( واعلم ) ان الفوق والسفل بالطبع يوجدان للنبات والحيوان فان للنبات جهة أغصان وجهة أصول وأحدهما بالطبع فوق والآخر أسفل بالطبع لكن يعرض ان يصير العلو أسفل والسفل أعلى ويكون الفوق مع ذلك حافظا للطبيعة الفوقية وكذلك السفل واما القدام والخلف فهما حاصلان للحيوان حالتي الحركة والسكون واما غير الحيوان فإنما تعرض له هاتان الجهتان عند الحركة فان الجهة التي إليها الحركة تكون قدام والتي عنها الحركة تكون خلف ومتى تغيرت الحركة تغير القدام والخلف ولا كذلك الحيوان فان قدامه وخلفه متعينان بالطبع واعلم أن غير الحيوان تارة يكون قدامه وفوقه واحدا وذلك عندما يتحرك إلى الفوق وتارة يتخالفان وذلك إذا كانت حركته لا إلى الوسط ولا عنه بل معترضة بينهما *
الفصل الرابع والعشرون في كيفية تحدد الجهات
( الجهة ) التي يقصدها المتحرك وتتناولها الإشارة فلا بد وأن تكون امرا موجودا * ( فان قيل ) أليس ان المتغير من السواد إلى البياض يقصد البياض وهو غير موجود ( فنقول ) المتغير يقصد تحصيل ما اليه التغير والمنتقل لا يقصد تحصيل نفس الجهة بل الوصول إليها فثبت ان الجهة امر وجودي مشار إليها وظاهر انها ليست من الأمور المجردة عن الوضع والإشارة والا لما كانت الحركة والإشارة إليها ( فنقول ) وجب أن تكون الجهة غير منقسمة في امتداد مأخذ