تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل أبو الحسن العامري — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
يعاند البرهان الضروري من المعاني الرياضية فهو مترتب تحت هذا القسم . وأما المقيّد منه بحسب القوة فيجب أن نبتهل فيه إلى اللّه - تعالى جدّه - ليفتح لنا السبيل إليه فانّ جميع ما يعاند الأدلة الاقناعية من الأوضاع الطبيعية فهو مترتب تحت هذا القسم . وأما الذي يكون امتناعه بحسب مقتضى الحكمة فلا بأس أن نخوض في تبيانه على سبيل الاجمال ؛ فان جميع ما يعاند التدابير القويمة من المصالح السياسية فهو مترتب تحت هذا القسم ؛ على أنه من عظيم ما ينتفع به في تحقيق الأفعال الالهيّة ، فنقول : إنّ فرقة من الطبيعيين أقدموا على جحد السياسة الالهيّة في الحوادث المتجددة في العالم السفليّ ، وادعوا أنها كلّها بمعزل عن تقدير من له الخلق والأمر ، جلّ ربنا وتعالى . واحتجوا بأن جهتها في الحدوث لو كان معلقا به لكانت الحكمة العامة مساوية لها ، ولما صلح أن يوجد ، ولا في شيء من الأنواع الطبيعية ، هذه العاهات والتشويهات ؛ فان السياسة الحكمية لن يجوز أن يقترن بها شيء من الضرورة ؛ وخصوصا إذ كان السائس موصوفا بالعدل التام ومنزّها عن أبوب الجور . قالوا : فحدوث المعاني / المتجددة في العالم السفلي متّبع للعناصر الموضوعة لها اتباعا ضروريا . ومثاله أن العوارض « 93 » من الأسنان لم توجد حادّة ليستعان بها على قطع الأغذية ، ولا الأضراس منها وجدت مسطّحة ليستعان [ بها ] على طحنها ؛ بل قد اتفق مادة لطيفة للعوارض وللأضراس مادة كثيفة ؛ ثم عرض للحيوان أن صار مجتلبا من أشكالها المختلفة رفدا أو منفعة ، وهكذا الحال في الأعضاء كلّها . والا فمن ذا يشك في أن الأرض ، على كثافتها ، ما كان ليجوز أن توجد ( في العلوّ ، وأن السماء على لطافتها ما كان ليجوز توجدها « 94 » ) في السفل . ولو أن نزول الغيث من الجو كان معلقا بالسياسة الالهيّة لكان لا يعفن به البيدر والتبن ، ولا يتولد من نزوله خراب الأبنية . وإذ قد عرض للخلق من جهته هذه الآفات علم أنه شيء يحدث عن تصاعد البخار الرطب ثم استحالته ، لبرودة الجو ، إلى طبع المائيّة ؛ وارجحنانه إلى السفل بخاصية الثقل ؛ فينتفع به زيد لزكاء زرعه ويتضرر به عمرو لتعفن تبنه .
هامش
( 93 ) العوارض : الثنايا . سميت بهذا لأنها في عرض الفم . وقيل إن العوارض هي ما بين الثنايا والأضراس .
( 94 ) العبارة بين الهلالين مضافة من الناسخ في الهامش .