قالوا : وإنما قيل إنّ الفلفل حار لما يعرض له من وشك الاستحالة إلى الصفراء ، وإنّ الفطر « 95 » بارد لما يعرض له من وشك الاستحالة إلى البلغم . وليس يشكّ أن سرعة استحالة كلّ واحد منهما إلى عنصره ليس هو لغرض حكمي مقصود به لكنه عارض اتفاقي طرأ عليه . ولهذا ما يوجد الشيء الواحد متبدّل الصور بحسب تعاقب الأحوال عليه . مثاله أن العسل متى تناوله الشاب في الصيف صودف مستحيلا إلى الصفراء ومتى تناوله الشيخ في الشتاء صودف مستحيلا إلى الدم .
قالوا : ولو كانت الأكوان السفلية معلقا حدوثها بالمقاصد الحكمية ، دون أن يكون اتّباعا لعناصرها من الضرورة ، فما بال الأنفس البشرية لم توجد مضاهية ، في كمالها ، للأنفس الملكية « 96 » حتى لا يوجد ولا واحد منها ذات فسق وشرارة ، وخصوصا إذ وصف الخالق لها بالجود التام / ، والقدرة التامة .
فهذا زبدة ما ادّعته هذه الطائفة ومعظم ما تعلقت به من الحجاج والشبهة .
وليس يشكّ أن دعواهم هذه معاندة للدين والملّة ، وأن الواجب أن نأتي بجمل ما اعتمده الحكماء في فسخ هذه العقيدة « 97 » ، فنقول : لسنا نشك أن من شأن الطبيعة ، التي هي في الحقيقة قوة إلهيّة سارية في العالم السفلي من الفلك المائل ، أن تحرك العناصر الموضوعة لها بحسب ما جبلت عليه من الاستعداد لقبولها ، في الزمان الملائم لها على الاتصال ؛ إلى أن تنهيه إلى الغاية المحدودة لها ثم تقف لديها ولا تتجاوزها .
مثاله ، أنها متى أنبتت الحبّ فإنها تصيّره ، في الزمان الملائم للنشوّ ، أولا بقلا ، ثم عشبا ، ثم ذا قصب ، ثم ذا سنبلة ، ثم ذا ألباب ، يكثر به إلى أن يبلغ « 98 » حدّ الاستحصاد ؛ فتسكن الطبيعة لديه وتجعله الغاية الآخرة لتحريكه . فهي إذا في فعلها أشبه شيء بالنجّار الذي يقصد الخشب لأن يتخذ منه السرير ، أعني يقطّعه أولا ، ثم يشقّه ، ثم ينحته ، ثم يشكّله ، ثم يؤلّفه تأليفا كأصلح ما يليق بالغرض المقصود اليه .
هامش
( 95 ) الفطر : جنس من الكمء ، أبيض .
( 96 ) ص : البشرية ؛ مصححة في الهامش إلى ما أثبتناه .
( 97 ) يقول الكندي في رسالته « الإبانة عن العلة الفاعلة القريبة للكون والفساد » : « إن في نظم هذا العالم وترتيبه ، وفعل بعضه في بعض ، وانقياد بعضه لبعض ، وتسخير بعضه لبعض ، وإتقان هيئته على الأمر الأصلح في كون كلّ كائن ، وفساد كلّ فاسد . . لأعظم دلالة على أتقن تدبير . ومع كلّ تدبير مدبّر » . رسائل الكندي الفلسفية ، ج 1 ، ص 215 .
( 98 ) ص : بلغ .