ولا عاقل في العالم يتوهم خلوّ المجاري الصناعية من الأغراض الحكمية وإن كانت معرّضة لطروء « 99 » الآفات عليها ، وذلك ليقينهم بأن مادة السرير ما كان لتتحد « 100 » بصورته الا بفاعل مقتدر عليه ، قاصد لاتمامه . ولو أن السرير كان مما يتكوّن ، لا بالصناعة بل بالطبيعة ، لما كانت صورته لا توجد « 101 » في التكوين الا على النهج الصناعي « 102 » ، ولو جدت مبتدئة لفعلها من حيث ابتدأت به الصناعة ؛ ومنتهية به إلى الحدّ الذي أنهته إليه ، فان الطبيعة فاعلة في داخل كما الصناعة فاعلة من خارج ؛ وليستا تختلفان في تأدية فعليهما على النسق الموصوف ، من ابتداء محدود إلى انتهاء محدود . على أنك تجد من الصناعات ما هي معينة للطبيعة على تأدية خصائص أفعالها ، / نحو الطب والفلاحة ؛ فان الطبيعة متى عجزت عن نفض الكيموسات الرديئة عن البدن أعانتها « 103 » صناعة الطب ؛ ومتى عجزت عن تربية الزروع على تمامها أعانتها صناعة الفلاحة . وليس يشك أن المعين للشيء على فعله ، إذا امتنع أن يوجد خلوا من الغرض ، فالأوّل ، الذي هو المعان بالقدرة ، أولى وأحقّ .
ثم ما الذي يحوجني إلى الاستشهاد بالصناعات وقد وجدنا عجيب لطف الخطاف « 104 » في اعتشاشه عند ربطه العش بالطين العلكة وبالخشبات الصغار ، وبالتخطيط له على أوسع الأشكال ؛ كما قد وجدنا عجيب لطف النحل في إيثارها العمل من كاراتها « 105 » على الأشكال المسدّسة . ومعلوم أن ذلك كلّه صادر عن
هامش
( 99 ) ص : لطريان .
( 100 ) ص : تتحد .
( 101 ) ص : صورتها ليوجد .
( 102 ) أي لو كانت الطبيعة هي التي صوّرت مادة السرير لا الصناعة للزم من ذلك نفي المشاهد وهو أن صورة السرير لا توجد الا بالصناعة .
( 103 ) ص : أعانها .
( 104 ) الخطاف : « ويسمى زوار الهند . . . ويعرف عند الناس بعصفور الجنة . . . لا يفرّخ في عش عتيق حتى يطيّنه بطين جديد . ويبني عشه بناء عجيبا وذلك أنه يهيئ الطين مع التبن ؛ فإذا لم يجد طينا مهيئا ألقى نفسه في الماء ، ثم يتمرغ في التراب حتى يمتلئ جناحاه ، ويصير شبيها بالطين . فإذا هيّأ عشه جعله على القدر الذي يحتاج إليه هو وأفراخه » .
كمال الدين محمد بن موسى الدّميري : حياة الحيوان الكبرى ، ج 1 ، دار التحرير للطبع والنشر ، 1965 ، ص 514 . وسيشار لهذا المصدر فيما بعد هكذا : الدّميري : حياة الحيوان الكبرى .
( 105 ) كاراتها : الكوّارة : الخلايا . الكوار والكوارة : بيت يتخذ من قضبان ، ضيّق الرأس ، للنحل ، تعسل فيه .
و « النحل بيوتها من أعجب الأشياء لأنها مبنيّة على الشكل المسدّس الذي لا ينحرف كأنه استنبط بقياس هندسي .
ثم هو في دائرة مسدّسة لا يوجد فيها اختلاف . . . وذلك لأن الاشكال من الثلاث إلى العشر إذا جمع كلّ واحد منها إلى أمثاله لم يتصل ، وجاءت بينها فروج ؛ الا الشكل المسدّس فإنه إذا جمع إلى أمثاله اتصل كأنه قطعة واحدة » .
الدّميري : حياة الحيوان الكبرى ، ج 2 ، 1966 ، ص 600 ، ص 606 - 607 ، 610 .