اليسير من الذي سيّان عنده القليل والكثير .
وهذه الدّعاوى بعضها معلومة بالبرهان ، وبعضها مقطوعة به من جهة القوّة الحدسيّة ، الّتي
« يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ
. فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ، إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها »
. اللهم اضرب علينا سرادقات حفظك من مشاغبة الخصام ومداعبة الملام .
تفكّر في حكمة الصّانع البديع النافع المنيع ، كيف بدأ بالعقل ، وختم بالعاقل ، وبينهما أمور متفاوتة نورا وظلمة . وهذا كالبذر المزروع للنّبت ، يبتدى اوّله وهو لبّ ، وينتهى بغايته وهو لبّ . فالعقل الاوّل بذر الموجودات جمعاء ، وما عداه من المعقول سيقانه ، والنفوس أغصانه ، والاجرام (
b
172 ) الفلكيّة افنانه ، والاجرام ( 73 پ ) العنصرية أوراقه ، والنفوس الارضيّة أزهاره ، والنفوس البشريّة ثماره ، ولبّها الرّوح المحمّدى ، عليه السّلام .
فهذه شجرة نابتة على طرف عين الجود منكوسا ، تسمى شجرة طوبى . وإلى هذا الرمز أشار ( م 115 ر ) قوله :
« كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ »
، هو الأول ، اى منه بدا ، والاخر ، اى اليه يعود ، والظاهر لدنوّه ، ونحن أقرب اليه من حبل الوريد ، ونحن أقرب اليه منكم ، ولكن لا تبصرون . فلا اقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ، اى اقسم قسما لو تعلمون عظيما ، بالمعقولات والمحسوسات ، أو بعالم الغيب والشّهادة ، أو الباطن والظاهر ، لعلوّ مرتبتهما ، وبينهما قشور كثيرة على حسب مراتبها .
وأقول ثالثا جوابا عن سؤالهم الّذي هو قولهم : « لم فعل هذه السلسلة » ، صدرت عنه لا لغرض وغاية .
لان الغاية (
a
173 ) انّما تكون لناقص ، حتّى يستكمل بها ، كما قرّروه ، بل هو منتهى الغايات وطرف النهايات . ولان الفرض المفروض في حقّه هو من فعله وخلقه ، والمعلول الواجب التّأخر عن علّته كيف يصير علّة لفعل الفاعل المطلق ، والا يصير علّة لنفسه .
ولانّ كلّ مطلوب هو من جملة الممكنات لا خروج له عنها بتّة ، والغرض المحرّض على الشئ سابق على ذلك الشئ سبقا في العلم ولحوقا في الوجود ، وقبل جميع الممكنات لا ممكن ، والّا يكون قبل نفسه .