34 . / وقوله : « وإن كان الموضع إنّما يخالف الوضع فأحد هذين كان سوفسطائيّا خبيثا » « 1 » . الموضع إمّا أن يكون الوضع بعينه واحدا في المعنى واللفظ لا اختلاف بينهما ، وهو الّا تستعمل جزئيّاته في شيء مفروض بوجه لأنّه بيّن السخافة ، فإنّه يخيّل بأنّ في جزئيّات الإنسان حيوانا ، لأنّ الإنسان حيوان ، وإمّا أن يكون الموضوع هو الوضع بعينه بالمعنى ، ويخالفه في اللفظ . فهذا شأن الأسماء المترادفة ، وتستعمل جزئيّاته كثيرا في السوفسطائيّة ، حيث يظهر أنّه تبيّن وهو لم يتبيّن . مثال ذلك القول فيما تقدّم ، حيث تبيّن أنّ كلّ إنسان حيوان ، لأنّ أيّ شيء وجد إنسانا ، فهو حيوان . وكذلك حبّ الرشاد حارّ لأنّه حرف ، والبقلة الحمقاء باردة لأنّها الرّجلة « 2 » ، والحركة تتعب لأنّها نقلة ، والصخرة تقرض اللحم لأنّها حجر . وإذا انتفت الأقوال وجد فيها من هذا كثير .
وإمّا أن يكون الموضع هو الوضع باللفظ ويخالفه في المعنى . وهذان القسمان هما اللذان قال فيهما أبو نصر : « وإن كان الموضع إنّما يخالف الوضع ، فأحد هذين كان سوفسطائيّا خبيثا » ، يعني الذي يخالف في اللفظ ويتّفق في المعنى ، أو يخالف في المعنى ويتّفق في اللفظ . فهذا الذي يتّفق في اللفظ ويختلف في المعنى « 3 » يستعمل كثيرا في التحليل وفي الأقوال الشعريّة لتخيّل لأجل اللفظ معنى أحدهما للآخر . وهذا يتركّب من الأسماء المشتركة ، فإنّها تخيّل لأجل اشتراك اللفظ اشتراكا في المعنى ، وهو كثير جدّا . ويستعمل في البرهان للخير والشرّ كثيرا . ومن هذا الوضع يستحسن أن يسمّى بالأسماء الدالّة على المحاسن ، وتستقبح الأسماء الدالّة على المقابح ، مثل قولنا في رجل اسمه خير :
هذا هو خير ، والخير يحمد ، فهذا خير محمود أو محبوب . فقد اشترك الوضع وهو قولنا : هذا خير محمود ، مع المقدّمة الكبرى وهي قولنا : الخير محمود بلفظ خير ، وخيّل لأجل هذا الاشتراك أنّ هذا محمود . وكذلك في الذمّ فيمن اسمه حمار ، والحمار أبله ، فهو أبله . وهذا مؤوف فيمن اسمه مؤوف ، والمئوف
هامش
( 1 ) كتاب التحليل ، ص 103 .
( 2 ) الحبّة الحمقاء أو الرّجلة هي الهندباء .
( 3 ) في الأصل : في المعنى فهذا .