19 . المتّصل والمنفصل وبالجملة فصول المقولات غير الجوهر ، إذا أخذت بالإضافة إلى مقولاتها ، كانت فصولا ، وبالإضافة إلى الجوهر متضادّات .
20 . اللزوم من جهة أجزاء حدّ القياس هو السبب الأوّل لغيرها والمعلوم بنفسه . وذلك أنّ اللزوم لا يخلو أن يكون عن لفظ مفرد أو قول . فيرى أنّ اللفظ المفرد من حيث هو مفرد ، لا يلزم عنه وجود شيء . وأمّا إذا قرنّا بالبياض ما يدلّ على وجوده ، أمكن حينئذ أن يلزم عنه شيء فنقول : إذا كان البياض موجودا فاللون موجود . ولمّا كان هذا اللزوم القياسيّ إنّما يطلب فيه أن يكون إلزامه لما يلزم ضروريّا وذاتيّا ، وجب أن يكون بحال ما أو نسبة ما توجب له ذلك . وتلك النسبة توجب أن يتكثّر القول الحاصل أوّلا بتأمّل معنى اللزوم .
فقد لزم إذن أن يكون القول القياسيّ أكثر من واحد عن هذا التأمّل البرهانيّ .
فلهذا اشترك في الحدّ بلفظ أكثر ، لأنّ إنتاجه من البرهان كذلك كان ، وإلّا فلو لخّص الأمر بحسب نفسه ، لقيل إنّه / من مقدّمتين . وهذا البرهان هو من البراهين المتغيّرة الوضع ، وذلك أنّ اللزوم الذي أخذ أوّلا سببا لما ذكر قبل يعود في المرتبة عن حدّ القياس أخيرا . وهذا هو تغيّر البرهان في الوضع .
21 . إن عورضنا باستثناء السلب ، فيقال : النهار إمّا موجود وإمّا ليس بموجود ، لكنّه ليس بموجود ، فليس النهار موجودا . فالجواب أنّه أخذ السلب في المقدّم على معنى العدم ، فإنّ السلب في النتيجة على الوجه الأعمّ ، فإنّه كلّ ما يقال عليه السلب الذي بمعنى الاسم غير المحصّل ، قيل عليه السلب بالمعنى الأعمّ . فإنّه إذا صدق على زيد أنّه لا بصير ، صدق عليه أنّه ليس ببصير . إذ لقائل أن يقول له : لا ينتج ما كبراه سالبة في الأوّل ، ونحن نجد ما ينتج دائما بالعكس . مثال ذلك : ولا إنسان واحد حجر ، وكلّ حجر جسم ، فنعكس هذا فنقول : جسم ما حجر ، ولا حجر واحد جسم ، فجسم ما ليس بحجر .
فللمجيب أن يقول : إنّ هذه النتيجة لم تكن المطلوب . فإن قال المعارض : بل نضع أنّ هذا كان المطلوب ، وأنّ هذا القياس أنتجه بهذا الطريق ، قيل له : إنّ الفكرة إذا كان لا يمكن أن يكون مطلوبها جسم ليس بإنسان ، لم يمكن أن تقع بالطبع على قياسه ، بل الذي يقع عليه : بعض الأجسام حجر ، ولا حجر واحد
تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي — صفحة 191
مساهمون: ابن باجة
ص١٩١