فإن قلتم : إنّ أصحاب هذا المذهب يسلّمون كونها مساوية في الطبيعة .
قلنا : هب إنّهم يسلّمون تساويها . فلم قلتم : إنّها كذلك في نفس الأمر ، لا بدّ له من برهان ، وأيضا لم قلتم : إنّ طبيعة الامتداد طبيعة نوعيّة محصّلة ؟
قولكم : لأنّها لا تتوقف على ما ينضاف إليها محصّلا إيّاه .
قلنا : لا نسلّم [ به ] ، لم قلتم إنّه كذلك ، لا بدّ له من دليل .
الجواب ( الحادي عشر )
الانفصال هو عدم الاتّصال عمّا من شأنه أن يتّصل ، وماهيّة الاتّصال لا يجوز أن يكون قابلا لعدم نفسه ، فإن لم يكن في الوجود شئ يوصف بعدم الاتّصال فلا يكون منفصلا في الوجود ، ولا يتغيّر المعنى بتبديل لفظ الانفصال بالتعدّد ، لأنّ الوحدة والتعدّد متقابلان .
فإن كان في الوجود شئ يكون تارة واحدا وتارة متعددا ، فلا بدّ من أن يكون ذلك الشّىء في نفسه لا واحدا ولا متعدّدا . وليس في الوجود غير موصوف في نفسه بالوحدة والتعدّد قابل لهما على سبيل البدل غير البدل . فإذن المادّة على تقدير تبديل اللفظ أيضا ثابت .
وليست هذه الحجّة مبنيّة على تساوى البسائط ولا على اختلافها . إنّما هي مبنيّة على وجوب وجود المادّة لكلّ ماله امتداد يمكن أن يتصوّر انفصاله ؛ فإنّ الامتداد من حيث هو امتداد قابل للتجزّى ولو في الوهم .
اللّهمّ إلّا امتداد يستلزم توهّم عدمه وجوده في الوهم ، كالامتداد الكافي عند من يقول : إنّ المكان يعدّ من شأنه أن يشغله الجسم ، فإنّ ذلك الامتداد لا يمكن أن يتصوّر فيه انفصال وإلّا لكان هو المتمكن في المكان ، وإنّما يعرض له التجزّى تبعا لتجزّى المتمكن فيه لا غير ، ولا يتصوّر فيه انفصال .
فان قيل : أجزاء الجسم لا تقبل التجزّى كما نقل عن « ذيمقراطيس » أجيب : بأنّ الشئ الّذي لا يقبل التجزّى ولا يمكن أن يتوهّم فيه الانفصال