قلنا : هذا محال ، فإنّ الأمكنة تتمايز بالأجسام ، ولو كانت الأجسام تتخصص بها لكانت متمايزة قبل الأجسام ، وذلك محال .
الثالث عشر ( الهيولى والصّورة النّوعيّة )
قالت الحكماء : الهيولى كما لا تنفكّ عن الصّورة الجسميّة لا تنفكّ عن صورة أخرى نوعيّة ، لأنّ بعض الأجسام يقبل الأشكال بسهولة ، وبعضها يقبلها بعسر ، وبعضها لا يقبل ، فهي تختلف باللوازم ، إمّا للصّورة العامّة ، وحينئذ تستلزم الاشتراك في الملزوم مع الاختلاف في اللوازم وإنّه محال ، وإمّا للهيولي ، وهو محال ، لأنّ الهيولى قابل ، والقابل لا يكون فاعلا ، وإمّا لفاعل خارج ، وهو محال ، لأنّ الفاعل الخارج المفارق نسبته إلى جميع الأجسام واحدة ، وإمّا لصورة أخرى ، وهو المطلوب .
ولقائل أن يقول : لم قلتم إنّ نسبة المفارق إلى جميع الأجسام متساوية ، وإنّما كانت متساوية له لو لم يكن استعداد هيولاتها مختلفة ، أو لم تكن هيولاتها مختلفة ؛ فلم قلتم : إنّه ليس كذلك على أنّكم نسبتم اختلاف الصّور لاختلاف استعداد الهيولى .
الجواب ( الثالث عشر )
الأجسام المختلفة الصّور الّتي لا تفارق موادّها ، كالفلكيّات ، لا شكّ أنّ تلك الصّور تختلف باختلاف يعود إلى موادّها . ولذلك يصير البعض تدويرا ، والبعض خارج المركز ، والبعض كوكبا . ولا شكّ أنّ تلك الاختلافات ليست بكيفيّات . وإذا كان الفاعل للكلّ واحدا كانت الاختلافات بحسب اختلاف الموادّ ، واختلاف الموادّ يكون بحسب اختلاف الوسائط الّتي تكون بين العلّة الأولى وبينها بالماهيّات .
وأمّا الأجسام التي تفارق موادّها فلها هيولى مشتركة ، لأنّ بعضها يزول الصّور عنها ويتجدّد فيها صور غيرها ، فلاختلاف أحوالها ولوازمها ، كالأوضاع والكميّات والكيفيّات ، وغيرها ، علم أنّ لها مبادى غير المبدأ المفارق الّذي نسبته إلى كلّ واحدة منها واحدة وغير المادّة المشتركة .