حرّرت ما اقتضاه الوقت وحضر في الحال ، راجيا أن أعود وأكتب في أوان الفراغ ، ذكرا وافيا بما طلبه ، وشرحا كافيا لما قصده ، مستعينا بالله وحده ، مفيض العقل وملهم الصّواب .
( قول الحكماء في صدور الموجودات عن مبدئها الأوّل )
فأقول : أمّا المطلوب [ الأوّل ] فلنقدّم له مقدّمة ، هي أنّ كلّ كثرة مفتقرة إلى الواحد ، بل إلى الآحاد الّتي يلتئم عنها تلك الكثرة ؛ فإذن هي محتاجة إلى مبدأ وإلى مبادئ . فكلّ محتاج إلى المبدأ الأوّل لا يصلح لأن يكون أوّل المبادئ . فإذن ، المبدأ الأوّل لا يمكن أن يكون إلّا واحدا . والواحد بالحقيقة الّذي يصلح لأن يكون مبدءا أوّلا لا يمكن أن يكون مشتملا على كثرة في ماهيّته ولا أن يكون معه كثرة خارجة عن ماهيّته معتبرة في مبدئيّته . وإذا كان شئ بهذه الصّفة فلا يمكن أن يقارنه صفات ولا اعتبارات مختلفة ولا إضافات ولأسلوب ؛ فإنّ جميع ذلك يتقدّمه كثرة لا محالة .
وإذا تقرّرت هذه المقدّمة ، فأقول : الواحد بالصّفة المذكورة لا يمكن أن يصدر عنه إلّا واحد ، بلا اعتبار غير ذاته ؛ لأنّه إذا صدر عنه شيئان ؛ كان اعتبار صدورهما عنه متغايرين وحيثيّتا صدورهما مختلفين ، فيكون معه اعتباران أو حيثيّتان ؛ وقد فرضنا نفيهما ؛ هذا خلف . وهذا معنى قول الحكماء : « لا يصدر عن الواحد باعتبار واحد إلّا واحد » .
أمّا إذا تكثّرت الاعتبارات والحيثيّات وإن كانت ذهنيّة أو سلبيّة أمكن صدور الكثرة عن الواحد بتلك الاعتبارات أو الحيثيّات مثلا ، الصّبّاغ إذا وجد ثوبا دسما اشتغل بغسله ، وإن وجده بغير دسم اشتغل بصبغه ، فيصير وجود شئ سببا لفعل غير الفعل الأوّل . وأيضا ، النّار الواحد يعمله تسويدا في الحطب ، وتبييضا في الفحم ، وتسخينا في الماء ، وتجفيفا في الطين . وكلّ ذلك الاختلاف لاختلاف الموادّ . ومن أراد مسكنا ، قصد بناء بيت ، ثمّ أراد للبيت بابا وللباب غلقا وللغلق مادّة وصانعا ، إلى غير ذلك . وإنّما يشتغل باتّخاذ شئ بعد شئ ، لانضياف تخيّلات مرتّبة إلى قصده الأوّل . وبالجملة يوجد لذلك أمثلة كثيرة .
وإذا ظهر ذلك ، فأقول : إذا صدر عن المبدأ الأوّل الواحد واحد في المرتبة الأولى من مراتب الصّدور ؛ أمكن أن يتكثّر الاعتبارات في المرتبة الثّانية ؛ مثلا ، يحدث لكلّ واحد من المبدأ والصّادر إضافة إلى الآخر ، هي أمر يعقل في كلّ واحد منهما