تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
ثمّ إنّهم بيّنوا بدلائل اخر : أنّ تلك الصّورة تتجرّد عن الجسم الموضوع لها . نعنى بذلك جوهرا مجرّدا يكون مبدءا للصّورة المنطبعة . وهذا هو المفهوم من حدوث النّفس الانسانيّ ، ولا تعرّض فيه لاتحّاد النّفوس بالنّوع أو اختلافها . ولعمري إن كانت النّفوس الإنسانية متّحدة في النّوع ، فالنّفوس الحيوانيّة ليست متّحدة ، والدّليل على حدوثها جميعا هو هذا بعينه ، إلّا أنّه لم يقم برهان على تجرّدها قيامه على النّفوس الإنسانيّة . والتجرّد المثبت بالبرهان لا يقتضى اتّحاد المجرّدات في النّوع . وقوله : « لم يوجد دليل على اتّفاق النّفوس الإنسانيّة في النّوع ، إلّا قولهم « إنّها يشملها حدّ واحد » وهو عين محلّ النّزاع » ، قول خارج من قواعدهم ؛ فإنّ الحدّ الشّامل للمتّفقات في النّوع عندهم لا يثبت ببرهان ، فلا يكون متنازعا ؛ بل لو أوردوا نفسا لا يصدق عليها ذلك الحدّ لا ينتقض الحدّ . أو لو أشار إلى مقوّمات غير مذكورة أو أمور خارجة عن الماهيّة مذكورة أو سوء ترتيب يظهر فساد الحدّ ، وما لم يظهر فساده فهو صحيح ، والحدّ الصّحيح يقتضى اتّحاد المحدود في الماهيّة بلا اشتباه . وأمّا إبطال التّناسخ فمبنيّ على هذه المقدّمة المذكورة ، وهو بأن يقال : لو فرض التّناسخ مع وجوب فيضان نفس حادث على كلّ بنية مستعدّة لوجب أن يكون لبدن واحد نفسان . هذا خلف ، وليس بواجب أن يبتنى إثبات الحدوث على إبطال التّناسخ ، وإن كان أيضا يتأتّى ذلك من وجوه غير ما ذكرناه . فهذا ما عندي في هذه المسائل . وقد ظهر أنّ هذه المعاني لم تفت من نظر في كلامهم نظرا شافيا ، فضلا عن أن يبلغ في التّدقيق إلى الغاية القصوى . وحاشاهم أن يكون في كلامهم أسرار أو تأويلات ، لأنّهم أرادوا أن يفشوا الخير والعلم ولا يخفوهما ، بلى إنّما يحتاج في إدراك مقاصدهم إلى ارتياض معدّ للنفوس لقبول ذلك ، وكلّ ميسّر لما خلق له . فهذا ما قدرت على تحريره في أثناء هذه العوائق والشّواغل الّتي ليس تحتها طائل . واللّه الموفّق والمعين .
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 34 | خواجه نصير الدين الطوسي