إنّ التّعقّل بالتّفاسير الّتي ذكرتها لا يصحّ إلّا من شئ متحصّل في نفسه ، من شأنه القبول لما يحضر عنده أو لا يغيب عنه ، بأيّ عبارة أريد أن يعبّر عنه ؛ فإنّ الشّيء غير المتحصّل نفسه لا يمكن أن يحصل له شئ ، وذلك لأنّ الحاصل لا يكون بالحقيقة له ، بل يكون لما هو حاصل ومتحصّل به . وعلى هذا لا يجوز أن تكون الهيولى الجسميّة ، ولا الصّور الحالّة فيها ، ولا المركّبات منهما ، ولا شئ من الأعراض بعاقلة .
وأيضا كلّ ما لا يكون له أن يعقل غيره ، فلا يكون الحاضر حاضرا بالقياس إليه بالحقيقة ، وعلى هذا لا يجوز أن تكون النّفس عاقلة إلّا بحسب ، تجرّدها عمّا يلاقيه من الجسمانيّات .
وقد بان من ذلك أنّ كلّ بسيط مستقلّ بوجوده فمن شأنه أن يعقل غيره مطلقا إن كان مجرّدا مطلقا ، أو بحسب تجرّده إن كان مجرّدا بالقياس إلى بعض الأشياء ، أو بحسب آلاته إن كان قابليّته لغيره لا تقع الّا بملامسة ، وهو المسمّى بالإدراك .
وكلّ ما يعبّر عنه أصحاب هذا العلم يحوم حول هذه المعاني ، وبالتّدرّب يحصل التّطلّع عليه ويزول الاختلاف العارض ؛ بسبب اختلاف العبارات ميّز من الحالّ في العقل فوجد عاريا عن الصّفة المستفادة في حدّ ذاته ، كالأسود إذا نظر في محلّ السواد ، فإنّه يكون في حدّ ذاته ليس بأسود إلّا أنّه ذو لون مضادّ للسواد .
وعن المسألة السّادسة إنّ الجمع بين قولهم : « المنقسم لا يحلّ إلّا في منقسم » ، وقولهم : الصّورة حالّة في الهيولى ، ليس لها في حدّ ذاتها مقدار ولا قبول قسمة » ، ليس بمستنكر إذا فهم المراد من قولهم .
وذلك أنّه إذا كان محلّ يوجد ولا حالّ فيه ، ثمّ يوجد وقد حلّ فيه حالّه : فإن كان الحالّ ممّا يقتضى القسمة به ، ويكون حلوله حلول السّريان فيه ، فبالضّرورة يكون المحلّ قابلا حتّى يتطابق الحالّ ، والمحلّ ، مثلا ، شئ ذو طول وعرض لا يمكن أن
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 32
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٣٢