( مقدّمة )
( 1 ) وبعد ، فإنّه لا يخفى على الألبّاء أنّ العبارة بالنّسبة إلى فلك المعاني المجرّدة والحقائق البسيطة ، من حيث تعيّنها في الأذهان ، ضيّق جدّا ؛ وهكذا فلك التّصوّرات والتّعيّنات الذّهنيّة بالنّسبة إلى عرصة التعقّلات النّفسانيّة والتّصورّات البسيطة ؛ وهكذا الأمر في التّصوّرات النّفسانيّة البسيطة للأمور الكلّيّة والحقائق العليّة بالنّسبة إلى تعقّل العقول والنّفوس الكلّيّة للكلّيّات ؛ ونسبة تعقّلات العقول والنّفوس إلى تعيّن المعلومات في علم الحقّ نسبة تعقّل من هو دون العقول والنّفوس الكلّيّة في المرتبة العلمية إليها .
وكلّ طائفة من العلماء ، وإن امتازت عن طائفة أخرى باصطلاح يخصّها ، فإنّه قد تقع المشاركة بينهما في بعض الأسماء والألفاظ ، لضيق فلك العبارة ، وعدم التّقيّد أحيانا بالألفاظ ، وإن تباينتا في المعتقد . فيظنّ - من حيث احتمال تلك الأسماء والألفاظ المشتركة وجوها متعدّدة ومفهومات مختلفة - أنّ تلك الأسماء والألفاظ تطلقها إحدى الطائفتين [ 49 ، ألف ] على ما أطلقها عليه الطائفة الأخرى . وهذا الاشتباه لا يزول إلّا ببيان المراد من تلك الاطّلاعات ، لتتّضح أحكام ما به يمتاز طائفة غيرها وأنّهما فيما ذا يشتركان .
( 2 ) فمن ذلك ، ممّا يوهم اشتراك أهل الذوق والتّحقيق مع بعض الفرق ، ما ذكر في شأن « الماهيّات » والقول بأنّها غير مجعولة ، مع قول أولئك : « إنّها عريّة عن الوجودين العقليّ والعينيّ » . ومن هذا القبيل ما أشار إليه « المولى » - نفع اللّه به - في أمر الوجود العامّ وفي كون الحقّ : « لو كانت له ماهيّة وراء وجوده ، لزم أن تكون سابقة عليه ، ولزم أيضا أن يكون مبدأ الموجودات اثنين ؛ مع أنّ كلّ اثنين محتاج إلى واحد سابق عليه » هذا إلى غير ذلك ، ممّا ذكر أثناء الأجوبة عن السّؤالات المرسلة ، كالإيجاد وغيره ، وما تيسّر الوقوف عليه من بعض فوائده ، كشرح الإشارات وغيره ، مثل حديث الارتسام والصّدور ، وتفسير قول الشّيخ الرّئيس « الوقوف على حقائق الأشياء ليس في قدرة البشر » ، ( ابن سينا ، التعليقات ، ص 34 ) وغير ذلك .