( 3 ) وقد عزم الدّاعى أن يذكر في ذلك ومثله ، إن شاء اللّه تعالى ، ما تحقّقه ذوقا وكشفا وشهودا ، ليتّضح بذلك مشرب المحقّقين وامتيازه من مشارب غيرهم ، وليعلم مذهبهم ومقصودهم ، وفي ما ذا يشاركون أهل العقل النّظريّ بالقوّة الفكريّة ، وبما ذا يتميّزون عنهم وعن باقي الفرق . والرّدّ والقبول بعد ذلك راجع إلى إلهام الحقّ وإيضاحه أو ستره ، لما يعلم في ذلك ، من الحكم [ 49 ، ب ] الّتي حجبها عن سواه .
فأقول : إنّ المستفاد من الذّوق الصّحيح والكشف الصّريح : أنّ تعقّل الحقّ باعتبار أنّه واحد ، أو أنّه مبدأ للموجودات ، أو أنّه مسلوب عنه الكثرة والاشتراك مع شئ في وجوده ، أو أنّه يستحيل أن تكون له ماهية وراء وجوده ؛ كلّ ذلك لا يصحّ إلّا باعتبار تعيّنه في عرصة التّعقّل الكونىّ ، وأعنى بالتّعقّل الكونيّ تعقّل غير الحقّ ، وسيّما كلّ من كان تعقّله له وللبسائط المطلقة والحقائق الكلّيّة بالتّعقّل الفكريّ المنصبغ بالقوى المزاجيّة الحادثة الإمكانيّة ؛ فإنّ تعقّلات من هذا شأنه لا تكون بريئة من خواصّ قيود وكثرة ما سارية الحكم في تعقّله الموجب لتعيّن المتعقّل وانطباعه فيه بحسب محلّ الانطباع ، وإن كان محلا معنويّا فبعيد حصول المطابقة بين المتعقّل والمتعقّل .
ولهذا يقول أكثر المحقّقين : إنّ أتمّ تعيّنات الحقّ في عرصة التّعقّل وأقربها مطابقة لما هو الأمر عليه ، تعيّنه ، سبحانه ، في تعقّل العقل الأوّل ، لأنّه أخلى الممكنات عن أحكام الكثرة والقيود الإمكانيّة ، فتعقّله أتمّ مطابقة وأقرب نسبة إلى ما يقتضيه شأن الحقّ . وجماعة أخرى من المحقّقين يقرّرون هذا الأمر ويقولون به ، غير أنّهم يستثنون الكمّل من الأناسيّ ويشركونهم مع العقل الأوّل ، في صحّة المعرفة وكمالها .
وعلى الجملة فكلّ تعيّن مقيّد ، حاصر لما يتعيّن به من المطلقات ، وإنّ العقل السّليم يقضى بأنّ ذلك التّعيّن [ 50 ، ألف ] مسبوق باللّاتعيّن .
( 4 ) فإن قال محقّق : « إنّ حقيقة الحقّ مجهولة ، والمعرفة به حاصلة » ، فليس يعنى بذلك أنّ للحقّ حقيقة وراء وجوده . وإنّما يعنى به أنّ الحقّ متى اعتبر تعقّله مجرّدا عن الكثرة الوجوديّة والاعتباريّة النّسبيّة والتّعقّلات والتّعيّنات التّقييديّة النّاشئة من تعقّل غيره له ، يكون مطلقا عن التّعيّن بوصف أو حكم أو نسبة ، سلبيّا كان كلّ ذلك أو ثبوتيّا .
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 242
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٢٤٢