فصل ( رابع ) في تتميم ما سبق ذكره في التّمهيد والتّقريرات المتقدّمة
ويتلوه ذكر المسائل الّتي قدّمت هذه المقدّمات كالتّوطئة لإيرادها والتماس بيان حقائقها ، بالبراهين الّتي يعوّل عليها ، المسؤول منه الجواب عنها ، نفع اللّه به .
( 47 ) وبعد ، فإنّ الحقّ - سبحانه - كما أظهر في الوجود أشياء ، وأخبر أيضا على لسان الكمّل من صفوته بأمور عجزت عقول أولى الألباب عن معرفة أسرارها وفهم جليّة الأمر فيها ، على ما هي عليه في نفسها وعلى نحو ما يعلمها الحقّ ، سبحانه .
فكذلك قد أبان أيضا عن أمور استجلتها عقول الألبّاء وعرفت جليّة الأمر فيها بأوّل وهلة تارة ، وبتأمّل وتدبّر أخرى .
فكان من جملة ما أبان وأخبر ، ممّا استقلّت العقول بإدراكه : أنّ للإيمان ثلاث مراتب : أولى ووسطى وعليا . وكذلك الأمر في الهداية والتّقوى والإحسان ، الّذي أخبرنا أنّه كناية عن مقام الحضور والمعاينة الصّحيحة . وهكذا فعل في تعريف غير ما ذكرنا من الصّفات .
( 48 ) فمن جملة التّنبيهات على ذلك في كتابه العزيز ، قوله : « ليس على الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتّقوا وآمنوا وعملوا الصّالحات ، ثمّ اتّقوا وآمنوا ، ثمّ اتّقوا وأحسنوا ، واللّه يحبّ المحسنين » ( المائدة ، 93 ) .
وقال في موضع آخر : « وإنّى لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثمّ اهتدى ( طه ، 82 ) . ولا يتوب أحد ويقبل على جناب الحقّ ويتحلّى بالأعمال الصالحة إلّا بعد الاهتداء ، [ 20 ، ب ] ، فدلّ بما أخبر أنّ هذه الهداية ليست هي الأولى .
ومن هذا الباب قوله تعالى : « ( ومن يؤمن بالله يهد قلبه » ( التغابن ، 11 ) .
وقوله : « واتّقوا اللّه ويعلّمكم اللّه » ( البقرة ، 282 ) . وقوله في أهل الكهف : « إنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم » ( الكهف ، 14 ) .