فصل ( ثان )
( 19 ) اعلموا ، أيّها الإخوان - تولّاكم اللّه بما تولّى به عباده المقرّبين - أنّ إقامة الأدلّة النّظريّة على المطالب وإثباتها بالحجج العقليّة على وجه سالم من الشّكوك الفكريّة والاعتراضات الجدليّة متعذّرة ؛ فإنّ الأحكام النّظريّة تختلف بحسب تفاوت مدارك أربابها ، والمدارك تابعة لتوجّهات المدركين ، والتّوجّهات تابعة للمقاصد التّابعة لاختلاف العقائد والعوائد والأمزجة والمناسبات ؛ وجميعها تابع في نفس الأمر لاختلاف آثار التّجلّيات الأسمائيّة المتعيّنة والمتعدّدة في مراتب القوابل وبحسب استعداداتها . وهي المثيرة للمقاصد والمحكمة للعوائد والعقائد ، الّتي تتلبّس بها وتتعشّق نفوس أهل الفكر والاعتقاد ؛ فإنّ التّجلّيات في حضرة القدس وينبوع الوحدة وحدانيّة النّعت ، هيولانيّة الوصف ، لكنّها تنصبغ عند الورود بحكم استعدادات القوابل ومراتبها الرّوحانية والطبيعيّة والمواطن والأوقات وتوابعها ، كالأحوال والأمزجة والصّفات [ 12 ، ب ] الجزئيّة ، وما اقتضاه حكم الأوامر الرّبّانيّة المودعة بالوحي الأوّل الإلهيّ في الصّور العلويّة وأرواح أهلها والموكّلين بها . فنظنّ لاختلاف الآثار أنّ التّجلّيات متعدّدة بالأصالة في نفس الأمر ، وليس كذلك .
( 20 ) ثمّ نرجع ونقول : فاختلف للموجبات المذكورة أهل العقل النّظرىّ في موجبات « 1 » عقولهم ومقتضيات أفكارهم وفي نتائجها ، واضطربت آراؤهم . فما هو صواب عند شخص هو عند غيره خطأ ، وما هو دليل عند البعض هو عند الآخرين شبهة ، فلم يتّفقوا في الحكم على شئ بأمر واحد ، فالحقّ بالنّسبة إلى كلّ ناظر هو ما استصوبه ورجّحه واطمأنّ به .
( 21 ) وليس تطرّق الإشكال ظاهرا في دليل ، يوجب الجزم بفساده وعدم صحّة ما قصد إثباته بذلك الدّليل في نفس الأمر ، لأنّا نجد أمورا كثيرة لا تتأتّى لنا إقامة برهان على صحّتها ، مع أنّه لا شكّ في حقيقتها عندنا وعند كثير من المتمسّكين بالأدلّة
هامش
( 1 ) القونوى : إعجاز البيان في تأويل أم القرآن ، 1389 ، ص 114 - 133 .