تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
ومع أنّ الأمر ، كما بينّا ، فإنّ كثيرا من النّاس [ 13 ، ب ] الّذين يزعمون أنّهم أهل نظر ودليل ، بعد تسليمهم لما ذكرنا ، يجدون في أنفسهم جزما بأمور كثيرة لا يستطيعون أن يشكّكوا أنفسهم فيها . وقد سكنوا إليها واطمأنّوا بها . وحالهم فيها كحال أهل الأذواق ، ومن وجه كحال الوهم مع العقل في تسليم المقدّمات والتّوقّف في النّتيجة . ولهذا الأمر سر خفىّ ربما ألوّح به فيما بعد ، إن شاء اللّه تعالى . ( 24 ) وأمّا القانون المرجوع إليه عند أهل الفكر ، فهم مختلفون فيه أيضا من وجوه : أحدها : في بعض القرائن وكونها منتجة عند البعض ، وعقيمة عند غيرهم . وثانيها : حكمهم على بعض ما لا يلزم عن القضايا أنّه لازم . وثالثها : اختلافهم في الحاجة إلى القانون والاستغناء عنه ، من حيث إنّ الجزء النّظرىّ منه ينتهى إلى البديهىّ ، ومن حيث إنّ الفطرة السّليمة كافية في اكتساب العلوم ومغنية عن القانون . ولهم فيما ذكرنا اختلاف كثير ، لسنا ممّن يشتغل بايراده ، إذ غرضنا التّنبيه والتّلويح [ 25 ، ب ] . ( 25 ) وآخر ما تمسّك به المثبتون منفعته الأولويّة والاحتمال . فقالوا : إنّا نجد الغلط لكثير من النّاس في كثير من الأمور وجدانا محقّقا ، مع احتمال وقوعه أيضا فيما بعد . فاستغناء الأقلّ عنه لا ينافي احتياج الكثير إليه . وأمّا الأولويّة فاحتجّوا بها ، جوابا لمن قال لهم : « قد اعترفتم بأنّ القانون ينقسم إلى ضرورىّ ونظرىّ ، وأنّ الجزء النّظرىّ مستفاد من الضّرورىّ . فالضّرورىّ إن كفى في اكتساب هذا القانون [ 14 ، الف ] كفى في سائر العلوم . وإلّا افتقر الجزء الكسبىّ منه إلى قانون آخر » ، فقالوا : الإحاطة بجميع الطرق أصون من الغلط ، فتقع الحاجة إليه من هذا الوجه عملا بالأحوط . وإصابة بعض الناس ، في أفكاره ، لسلامة فطرته في كثير من الأمور ، وبعضهم مطلقا في جميعها بتأييد إلهىّ خصّ به دون كسب ، لا تنافى احتياج الغير إليه . ونظير هذا ، « الشّاعر » بالطّبع وبالعروض ، و « البدوىّ » المستغنى عن النّحو بالنّسبة إلى « الحضرىّ » المتعرّب .