وأمثاله لهم إنّما هو بفيض منه - سبحانه - وموهبة ، دون تعمّل منهم في تحصيله ؛ فإنّما موجبه سعة دائرة علمهم وكمال استعدادهم غير المجعول ؛ فإنّه المقتضى في الحقيقة انبساط النّور المتجلّى لهم من الحقّ المستلزم لسراية حكم علم الحقّ فيهم ووصفه وانبساطه ، لا أنّ معرفة تلك الأمور مقصورة لهم على التّعيين ، أو هي من متعلّقات هممهم .
( 12 ) كما هو حال أكثر النّاس فيما يشتغلون فيه من الفنون الّتي يظنّون أنّها علوم حقيقيّة ، فإنّ كلّا منهم إنّما يصرف عمره ووقته وهمّته في تحصيل علم ما ، من تلك العلوم الّتي متعلّقها الكون ، لاختياره له على غيره من الفنون ، وشرفه لديه ، ورغبته فيه الموجبة لاشتماله عليه ، اعتقادا منه في عظم جدواه ، عاجلا أو آجلا ، موقّتا أو غير موقّت ، أو لمحبّة غير معلّلة ولا معلومة السّبب .
فصل ( أوّل ) في بيان أحوال طبقات النّاس في طلب العلوم
الّتي تستقلّ العقول بإدراكها ، من حيث نظرها وفكرها ، ومن حيث القوى المزاجيّة والآلات البدنيّة ، والّتي لا تستقلّ بإدراكها ، وصورة امتياز الطبقة العليا المشار إليها من قبل وفيما بعد أيضا ، وانفرادها من بين الطبقات المتفرّعة من الطبقة الوسطى والتي تليها ممّا أشير إليه إن شاء اللّه تعالى .
( 13 ) لمّا حاول النّاس [ 10 ، الف ] تحصيل العلوم ، وخاضوا في طلب معرفتها بالقوى والآلات ، حتّى أدركوا ، من « القسم الأوّل » من القسمين المذكورين ، ما أدركوا ، وإن لم ينتهوا إلى حقيقته ومعرفة جليّة الأمر فيه على ما هو عليه ؛ تفاوتوا فيما أدركوه تفاوتا كثيرا ، بحسب تفاوت إدراكاتهم وأمزجتهم وأغراضهم التّابعة لاستعداداتهم .
فتامّ وأتمّ منه ، وناقص وأنقص منه ، على ما سأشير إلى نبذ من أحوالهم فيما بعد ، إن شاء اللّه . و « القسم الثّاني » الّذي قلنا : إنّه ليس ممّا تستقلّ العقول البشريّة ابتداء بإدراكه ، وإنّ كلّ محاول طلب شيئا منه ، متى توجّه بفكره لمعرفة بعض