تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
( 8 ) ومن جملة الأمور الّتي لا تستقلّ العقول بإدراكها معرفة سرّ ترتيب طبقات العالم وأحكامه وخواصّه الكلّيّة ؛ وسبب انحصار كلّ صنف ونوع في عدد خاصّ ؛ واختصاصها أيضا بأوقات مخصوصة ، وبقاع مخصوصة ، وأحوال مخصوصة ؛ وامتياز كلّ منها بعد الاشتراك [ 9 الف ] مع الغير في أمور شتّى بصفات وخواصّ لا يشاركه فيها نوع أو صنف آخر ، وكذلك معرفة « العلة الغائيّة » من إيجاد العالم بالنّسبة إلى مجموعه ، وبالنّسبة إلى جملة من الأجناس والأنواع ولوازمها ممّا يصدق عليه اسم الجملة ، وبالنّسبة إلى كلّ قطر وموطن وشريعة وعالم ومرتبة ونحو ذلك ؛ فإنّ عجز العقول البشريّة عن إدراك حقائق هذه الأمور من حيث الفكر والنّظر واضح لدى كلّ مستبصر منصف . ( 9 ) ثمّ نقول : فلمّا رأى المستبصرون من أهل اللّه ما ذكرنا ، واستقرؤوا أيضا ما في أيدي النّاس من العلوم ، وجدوها ظنونا وتخيّلات وإن كان بعضها أقوى من بعض ، ولم يجدوا شيئا منها يقوم على ساق ، ولا يجتمعون في الحكم على شئ بحكم يقع بينهم عليه الاتّفاق ممّا خلا أكثر المسائل الرّياضيّة الهندسيّة ، لكون براهينها حسّية . ( 10 ) لكن لمّا لم تتجاوز مرتبة هذا العلم وغايته معرفة المقادير والمساحات ، لم ترض نفوسهم بالوقوف عنده والتّهمّم بتحصيله ، بل كلفوا بمعرفة أشرف المعلومات وأولاها بالتّحصيل ، لجلالة قدرها ودوام ثمرتها الباقية بعد مفارقة الموادّ والأجسام ، طلبا لكمال التّحقّق والاتّصال بجناب العلىّ العلّام ، ومضاهاة لشأنه الأعلى في معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه في أنفسها . مقتضى حال خلاصة الخاصّة ، المؤهّلين للظفر بالكمال الإلهيّ الحقيقىّ ، والطالبين للتّحقّق به حالا وعلما ومرتبة ممّا تكرّر إدراكنا له ومعرفتنا به وبأهله ، جمع الهمّ بالكلّيّة [ 9 . ب ] على الحقّ على نحو ما يعلم نفسه ، وتفريغ المحلّ ، والزّهد في طلب معرفة ما سواه ، وإن كان شريفا بالنّسبة إلى ما دونه ، أو مثمرا سعادة ما أو متهيّئا بصاحبه إلى نسبىّ . ( 11 ) فمتى قدّر لهم معرفة شئ غير الحقّ ، كان ما كان ، وإن كان حصول ذلك