شاكّا ، ولا شئ أظهر ممّا يميّزه الإنسان من نفسه ؛ فكما لا يحتاج أن يميّز بالحدّ جوعه وعطشه وألمه ولذّته فكذلك العلم . وأيضا فلو احتاج كلّ شئ إلى حدّ لزم التّسلسل أو الدّور ، وهما باطلان . فثبت أنّه لا بدّ من الانتهاء إلى أمور غنيّة عن الحدّ ضروريّة التصوّر ، ولا شئ أظهر من المحسوسات والوجدانيّات ، والعلم من باب الوجدانيّات ، فلا يحتاج لظهوره إلى حدّ .
والجواب عن الحجّة الأولى أنّ تميزه بين كونه عالما وبين غيره من أحوال نفسه لا يدلّ على أنّ حقيقة العلم لا تحتاج إلى حدّ ، فانّ الّذي تميّز له إنّما هو الصّفة ، والمطلوب شرحه انمّا هو الأمر الّذي لأجله حصلت الصّفة ، وبينهما فرق ظاهر .
ومثال ذلك : أنّ الإنسان يميّز بين كون الجسم متحركا وساكنا ، ولا يدلّ تمييزه بين الصّفتين على تمييزه بين العرضين اللذين هما الحركة والسّكون وتصوّر حقيقتهما بالكنه . وكذلك إذا ميّز بين الحارّ والبارد ، والرّطب واليابس ، والأسود والأبيض ، وغير ذلك من الصّفات ، لم يلزم منه أن يعرف الحقائق ، الّتي لأجلها أطلقت الصّفات على الموصوفات .
والّذي يوضّح ما ذكرناه ويحقّقه : أنّ الاتفاق يقع على الصّفة الّتي هي كون العالم عالما ويتشارك النّظار في إطلاقها ، ويختلفون بعد ذلك في فائدة وصف الذّات بها ؛ ولو كان العلم بحصول الصّفة للّذات والتّمييز بينهما وبين غيرها يكشف عن حقيقتها ويوضّح معناها لكلّ واحد لما وقع الخلاف بعد الوفاق ؛ وهذا الجواب على رأى من يجعل العلم معنى يوجب الصّفة .
ومن يجعل العلم نفس كون الذّات عالمة ، لا ما يوجب كونها عالمة ، فإنّه يقول : إنّ تمييزه بين كونه عالما وكونه ظانّا وغير ذلك من أحواله لا يدلّ على تصوّر حقيقة العلم والظنّ بكنهها ، وإنّما يدلّ على تصوّرها بالجملة ، ويجوز أن يكون بواسطة لازم آخر وما يجرى مجراه . ويكون جوابه عن الأمرين واحدا ، وهو أنّ التّصوّر على ضربين ، ناقص وتامّ ؛ فما كان بواسطة اللوازم فهو ناقص ، وما كان بواسطة الذّاتيّات
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 79
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٧٩