( نقد الحدود في تعريف العلم )
8 - قال : وأمّا القائلون بأنّ حقيقة العلم غير متصوّره بالضّرورة فقد اختلفوا في تفسيره ، فمنهم من فسّره بأنّه اعتقاد الشئ على ما هو به ، مع اقتضائه سكون النفس ، ومنهم من قال : هو ما يقتضى سكون النّفس ، ومنهم من قال هو معرفة المعلوم على ما هو به ، ومنهم من قال : هو ما به تتّصف الذّات بأنّها عالمة ، أو ما به يصحّ من الذّات إحكام الأشياء وإتقانها .
وهذه العبارات وما ضاهاها ، وإن اختلفت ، فإنّها تقتضى أنّ العلم معنى يقوم بالذّات العالمة ، فيوجب بها الوصف وينكشف لها به الأشياء ويظهر ، فهو الأمر الّذي به يقع الانكشاف وربّما عبّر عنه بعضهم بالكشف ، إذ بالكشف يحصل الانكشاف ، كما يحصل بالحركة التحرّك ، وبالسواد التسوّد .
ثمّ القائلون بهذا مع اتّفاقهم على هذا القول يختلفون في فروع تتعلّق ، مثل اختلافهم في أنّه هل يجوز أن يكون علم واحد متعلّقا بمعلومات كثيرة ، أولا ، وهل يصحّ أن يكون من ذلك ما هو قديم ، حتّى يكون علم الباري قديما ، أم لا ؟ وهل يجب حصول العلم الّذي هو معنى لكلّ موصوف بأنّه عالم ، أولا يوصف بذلك إلّا من كانت له هذه الصفة على طريق الجواز . وهذه الفروع وأشباهها ممّا يقع الخلاف فيها بين متكلّمى المعتزلة والأشعريّة معروفة . فلا نطوّل بذكرها .
8 - أقول : الحدّ الأوّل من الحدود التي حكاها عنهم ، وهو « اعتقاد الشّىء على ما هو به مع اقتضاء ذلك الاعتقاد سكون النفس » ليس بظاهر الدلالة على كون العلم أمرا به يقع الانكشاف ، وذلك لأنّ نفس الانكشاف يقتضى أيضا سكون النّفس ، وليس كون العلم أمرا به يقع الانكشاف بأولى من كونه نفس الانكشاف .
وكذلك الحدّ الثاني ، وهو قولهم : « ما يقتضى سكون النفس » ؛ فإنّ المراد منه الاعتقاد الّذي يقتضى سكون النّفس ، ويرد عليه ما ورد على الحدّ الأوّل ؛ والجهل المركّب والتقليد يشاركان العلم في كونها اعتقادات مقارنة لسكون النّفس ؛ إلّا أنّ