معلوم ، وليس النّحو ذلك . وهذا وإن كان فيه موضع نظر وكلام ، إلّا أنّ الاشتغال بتحقيق المثال انحراف عن طلب المقصود .
( العلم فعلىّ وانفعالىّ )
2 - قال أيضا صاحب الرسالة ، رضى اللّه عنه : وهذه القضيّة لا تسلّمها الأوائل على الاطلاق . ويقسمون العلم إلى علم انفعالىّ وإلى علم فعلىّ ، ويدّعون أنّ الانفعالىّ تابع للمعلوم ومطابق له .
ويعنون بالانفعالىّ ما كان حاصلا بواسطة الموجودات الخارجيّة ومستفادا من جهتها ، ويقولون : إنّ العلم الانفعالىّ متأخر في الرّتبة أو في الزّمان عن تحقّق الحقائق وحصول الماهيّات الخارجيّة ، وأكثر علومنا من هذا الجنس .
وأمّا العلم الفعلىّ فعندهم أنّ المعلوم تابع له ومتحقّق الوجود بسببه ، وأنّ الصورة العلميّة عندهم تحصل أوّلا ويحصل بسببها وجود الصّورة الخارجيّة ، ويمثّلون ذلك بمن سبق إلى ذهنه صورة متخيّل لم يتقدّم له وجود ، فكان تصوّره سببا لوجوده في الخارج وتحقّقه .
2 - أقول : هذه القسمة ليست بمستوفاة للأقسام المحتملة ، والصّحيح أن يقال :
العلم إمّا انفعالىّ ، وإمّا فعلىّ ، وإمّا ليس بأحدهما ؛ وسيأتي البحث عن القسم الثّالث في موضع يليق بذلك ، إن شاء اللّه تعالى .
( علم الباري سبحانه فعلىّ أو غير فعلىّ )
3 - قال رحمه اللّه : ويقولون إنّ علم الباري كلّه فعلىّ ، وليس فيه انفعالىّ ؛ لأنّه لا يستفيد العلم بالأشياء من وجودها ، وإلّا لزم الدور ، إذ علمه بها على هذا التقدير متأخّر عن وجودها ووجودها متأخّر عن العلم بها ، وذلك محال .
3 - أقول : علم الباري - سبحانه وتعالى - بذاته ليس على أحد القسمين ، فإذن القول بأنّ علم الباري كلّه فعلىّ ، ليس بحقّ . وأيضا ، يمكن أن يكون وجود ما عدا الباري تابعا لقدرته ، مستفادا من جهتها ، والعلم مطابق لذلك ، لا على سبيل التّبعيّة